التائبون يعني الذين تابوا من الشرك وبروا من النفاق مرفوع على المدح خبر مبتدأ محذوف أي : هم التائبون والمراد بهم المؤمنون المذكورون فإنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على امتثال ما يأمرهم حيث قال الله تعالى في بيعة النساء : ولا يعصينك في معروف ١فهم الجامعون لهذه الخصال الحميدة، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره التائبون من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا غير معاندين ولا قاصدين ترك الجهاد عند القدرة ولا فتراض كذا قال : الزجاج كأنه وعد بالجنة لجميع المؤمنين كما قال : الله تعالى وكلا وعد الله الحسنى ٢.
وجاز أن يكون خبره ما بعده يعني التائبون عن الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال، العابدون لله وحده غير مشركين به شركا جليا ولا خفيا الحامدون لله تعالى في السراء والضراء قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء " رواه الطبراني والحاكم والبيهقي في " شعب الإيمان " بسند صحيح عن ابن عباس السائحون أي : الصائمون لما أخرج ابن جرير عن عبيد بن عمير قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين ؟قال :" الصائمون " وكذا أخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : كلما ذكر الله في القرآن السائحين فهم الصائمون، وكذا ذكر البغوي : قول ابن مسعود، وأخرج ابن مردويه عن عائشة موقوفا قالت : سياحة هذه الآية الصيام، قال : سفيان بن عيينة : إنما سمى الصائم سائحا لتركه اللذات كلها من المطعم والمشرب والنكاح، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال : الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي " ٣الحديث متفق عليه، وقال عطاء السائحون الغزاة المجاهدون في سبيل الله كما روى ابن ماجة والحاكم والبيهقي بسند صحيحي عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " ٤وقال البغوي : روى عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه قال : يا رسول الله أئذن لي في السياحة فقال :" إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " وقال عكرمة السائحون هم طلبة العلم يعني الذين يسيحون في الأرض لطلب العلم عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه بحظ وافر " ٥رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه الراكعون الساجدون هم المصلون عن ابن مسعود قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم " أي الأعمال أحب إلى الله ؟قال : الصلاة لوقتها، قلت، ثم أي ؟بر الوالدين، قلت : ثم أي ؟قال : الجهاد في سبيل الله " ٦متفق عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الصلاة عماد الدين " ٧رواه أبو نعيم عن الفضل بن دكين وقال :" الصلاة نور المؤمن " رواه ابن عساكر عن أنس، وقال :" الصلاة قربان كل تقي " رواه القضاعي عن علي، وقال عليه السلام :" أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء " ٨رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة الآمرون بالمعروف بالإيمان والطاعة والناهون عن المنكر عن الشرك والمعصية وقيل : المعروف السنة والمنكر البدعة، ذكر العاطف بينهما للدلالة على أن مجموعهما خصلة واحدة والحافظون لحدود الله أي : فيما بينه وبين الله تعالى من الحقائق والشرائع.
قيل : أورد العاطف هنا للتنبيه على أن ما قبله تفصيل الفضائل وهذا إجمالها، قلت : لعل الله سبحانه أورد العاطف ههنا لأن الله سبحانه ذكر أولا إتيان الحسنات المذكورات ثم ذكر محافظة حد كل منها بلا زيادة من قبل نفسه رهبانيته ابتدعوها وبلا نقصان صورة ولا معنى فكأن الأشياء المذكورة قبلها مجموعها شيء واحد يعبر عنها بإتيان الشرائع وهذا شيء آخر كناية عن الإخلاص والحضور التام المستفاد من صحبة أرباب القلوب فإن محافظة الحدود لا يتصور إلا بحضور تام دائم والله أعلم.
وبشر المؤمنين يعني الموصوفين بتلك الفضائل وضع المؤمنين موضع ضميرهم للدلالة على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك وأن المؤمن الكامل من كان كذلك وحذف المبشر به للتعظيم كأنه قيل بشرهم بما لا يدركه الأفهام ولا يحبط الكلام ولم يسمعه الأذان والله أعلم.
٢ سورة النساء، الآية: ٩٥..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الصوم، باب: فضل الصوم(١٨٩٤)، وأخرجه مسلم في كتاب: الصيام، باب: حفظ اللسان للصائم وبيان فضل الصيام(١١٥١)..
٤ أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في النهي عن السياحة(٢٤٨٤)..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء فضل الفقه على العبادة(٢٦٨٢)، وأخرجه أبو داود في كتاب: العلم باب: في فضل العلم(٣٦٣٧)، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم(٢٢٣)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل الصلاة لوقتها(٥٢٧)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان باب: كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال(٨٥)..
٧ رواه البيهقي في شعب الإيمان، قال الحافظ العراقي: فيه ضعف وانقطاع، انظر فيض القدير (٥١٨٥)..
٨ أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود(٤٨٢)، وأخرجه النسائي في كتاب: التطبيق، باب: أقربما يكون العبد من الله عز وجل(١١٣١)، وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء في الركوع والسجود(٨٧٣)..
التفسير المظهري
المظهري