إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١١١ ) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( التوبة : ١١١-١١٢ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فضائح المنافقين بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وأصناف المقصّرين من المؤمنين، أردف ذلك بذكر حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم البالغين فيه حد الكمال، وبذا تمّ معرفة جميع أحوال المؤمنين.
الإيضاح :
ثم وصف الله هؤلاء الكملة من المؤمنين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم بجنته بصفات هي :
( ١ ) التائبون : أي هم الراجعون إلى الله بتركهم كل ما يبعد عن مرضاته، وتوبة الكفار هي رجوعهم عن الكفر الذي كانوا عليه كما قال : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ( التوبة : ١١ ) وتوبة المنافق تكون بترك نفاقه، وتوبة العاصي من معصيته تكون بالندم على ما حصل منه والعزم على عدم العود لمثله كتوبة من تخلف عن غزوة تبوك من المؤمنين، وتوبة المقصّر في شيء من البر وعمل الخير تكون بالاستزادة منه، وتوبة من يغْفَل عن ربه تكون بالإكثار من ذكره وشكره.
( ٢ ) العابدون : لله المخلصون في جميع عباداتهم، فلا يتوجهون إلى سواه بدعاء ولا استغاثة ولا يتقربون إلى غيره بعمل قربان ولا طلب مثوبة في الآخرة.
( ٣ ) الحامدون : لله في السراء والضراء، روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يَسُرُّه قال :( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ) وإذا أتاه الأمر يكرهه قال :( الحمد لله على كل حال ).
( ٤ ) السائحون في الأرض لغرض صحيح كعلم نافع للسائح في دينه أو دنياه، أو نافع لقومه وأمته، أو النظر في خلق الله وأحوال الأمم والشعوب للاعتبار والاستبصار وقد حث الله كثيرا على السير في الأرض والضرب فيها كما قال : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ( الأنعام : ٦ ).
وعلى السفر والسياحة لطلب الرزق الحلال من تجارة وغيرها.
والإسلام الذي يجيز سفر النساء في الغزوات- وهن غير مكلّفات- بالقتال للمساعدة عليه بتهيئة الطعام والشراب وتضميد الجراح فهو بالأولى يجيز صحبتهن في سائر الأسفار، وفي ذلك إحصان لكل من الزوجين ومنع لهما عن التطلع إلى الأجنبي.
وفسر بعضهم السياحة بالصيام لما روي عن عائشة :( سياحة هذه الأمة الصيام ) لأن الصوم يعوق عن اللذات كما أن السياحة كذلك غالبا.
( ٥، ٦ ) الراكعون الساجدون في صلواتهم المفروضة، وخصا بالذكر لما فيهما من الدلالة على التواضع والعبودية والتذلل لله سبحانه.
( ٧، ٨ ) الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أي الداعون إلى الإيمان وما يتبعه من أعمال البر والخير، والناهون عن الشرك وما بسبيله من المعاصي والسيئات.
( ٩ ) والحافظون لحدود الله أي الحافظون لشرائعه وأحكامه التي بيّن فيها ما يجب على المؤمنين إتباعه وما يحظر عليهم فعله منها، وكذا ما يجب على أئمة المسلمين وأولى الأمور منهم إقامته وتنفيذه بالعمل في أفراد المسلمين وجماعتهم إذا أخلّوا بما يجب عليهم حفظه منها.
ثم ذكر جزاءهم على ذلك فقال :
وبشر المؤمنين أي وبشر أيها الرسول المؤمنين المتصفين بهذه الصفات بخيري الدنيا والآخرة.
وخصت تلك الخلال بالذكر لأن بها تكون المحافظة على حدود الله.
تفسير المراغي
المراغي