ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( ١١٧ ) وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ١١٨ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ( التوبة : ١١٧-١١٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن استقصى سبحانه أحوال المتخلفين عن غزوة تبوك على النحو الذي سلف- عاد مرة أخرى إلى الكلام في توبتهم جريا على سنة القرآن الكريم في تفريق الآيات في الموضوع الواحد، لأنه أفعل في النفس وأشد تأثيرا في القلب وأجدى في تجديد الذكرى وأدنى ألا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها. إلا أنه مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين، إذ كلّ مما يتاب منه، وكلّ عَثرة يُطْلب منها الصفح والعفو.
تفسير المفردات :
العسرة : الشدة والضيق. وزاغ : مال.
الإيضاح :
لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار أي لقد تفضل سبحانه وعطف على نبيه وأصحابه المؤمنين الصادقين من المهاجرين والأنصار فتجاوز عن هفوات صدرت منهم في هذه الغزوة وغيرها لبلائهم الحسن فيها، ولأنهم لم يصروا على شيء منها.
وقد كانت هفواتهم على سنن الطباع البشرية واجتهاد الرأي فيما لم يبينه الله بيانا قطعيا بحيث يعد مخالفه عاصيا، وقد فسر ابن عباس التوبة على النبي صلى الله عليه وسلم هنا بقوله في سياق هذه الغزوة ( عفا الله عنك- لِمَ أذنت لهم ؟ ) أي إن التوبة كانت من اجتهاد لم يقره الله عليه إذ غيره كان خيرا منه، وتوبة المهاجرين والأنصار، وهم خلّص المؤمنين كانت من تثاقلهم في الخروج حتى ورد الأمر الحتم والتوبيخ على التثاقل إلى الأرض، ومنهم من كان ذنبه السماع للمنافقين فيما كانوا يبتغون من فتنة المؤمنين.
وتوبة الله على عباده توفيقهم للتوبة وقبولها منهم، وإنما يتوبون من ذنب، وما كل ذنب معصية لله عز وجل.
الذين اتبعوه في ساعة العسرة أي الذين اتبعوه ولم يتخلفوا عنه وقت الشدة والضيق، وكانت عسرة في الزاد إذ كان الوقت نهاية فصل الصيف الذي نفدت فيه مؤونتهم من التمر، وأول فصل الخريف الذي بدأ فيه إرطاب الموسم الجديد، ولا يمكن حمل شيء منه، فكان يكتفي الواحد منهم أو الاثنان بالتمرة الواحدة من التمر القديم ومنه المدودّ واليابس، ومنهم من تزوّد بالشعير المسوّس والإهالة- الشحم المذاب- الزنخة المتغيرة الرائحة- وعسرة في الماء حتى كانوا ينحرون البعير على قلة الرواحل ليعتصروا الفرث الذي في كَرِشه ويبلّوا به ألسنتهم- وعسرة في الظهر- في الإبل- حتى كان العشرة يتعقبون بعيرا واحدا- وعسرة في الزمن إذ كان في حرارة القيظ- شدة الحر-.
قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه في ساعة العسرة : عسرة الظهر وعسرة الزاد وعسرة الماء، وقال ابن عباس لعمر رضي الله عنهم : حدِّثْنا من شأن ساعة العسرة، فقال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش شديد، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان الرجل ليَنْحر بعيره ليعصر فَرْثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادفع لنا، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
من بعد ما كاد يزيغ قلوب فؤيق منهم أي إنه تاب على المؤمنين كافة من بعد ما كاد يزيغ بعضهم عن الإيمان وهم الذين تخلفوا لغير علة النفاق، وهم الذين وصفهم الله بأنهم عملوا عملا صالحا وآخر سيئا واعترفوا بذنوبهم، فقبل الله توبتهم كما ذكر فيما سلف.
ثم تاب عليهم هذا تكرير للتوكيد كما يقال عفا السلطان عن فلان ثم عفا عنه، فيدل ذلك على أنه عفو متأكد بلغ الغاية القصوى من القدرة والكمال.
ثم علل قبول توبتهم بقوله :
إنه بهم رؤوف رحيم أي إن ربهم رءوف رحيم بهم، فلا يهملهم بأن ينزع الإيمان منهم بعد ما أبلَوُا في الله وأبَلوْا مع رسوله وصبروا في البأساء والضراء.


لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( ١١٧ ) وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ١١٨ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ( التوبة : ١١٧-١١٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن استقصى سبحانه أحوال المتخلفين عن غزوة تبوك على النحو الذي سلف- عاد مرة أخرى إلى الكلام في توبتهم جريا على سنة القرآن الكريم في تفريق الآيات في الموضوع الواحد، لأنه أفعل في النفس وأشد تأثيرا في القلب وأجدى في تجديد الذكرى وأدنى ألا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها. إلا أنه مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين، إذ كلّ مما يتاب منه، وكلّ عَثرة يُطْلب منها الصفح والعفو.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير