منه. ودل عليه قوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [مريم ١٩/ ٤٧]. أي إن إبراهيم وعد أباه بالاستغفار قبل أن يتبين الكفر منه، وأملا في إسلامه، فلما تبين له الكفر منه، تبرأ منه.
٤- يحكم على الإنسان بظاهر حاله عند الموت، فإن مات على الإيمان حكم له به، وإن مات على الكفر حكم له به، وربك أعلم بباطن حاله.
٥- لا عقوبة إلا بنص، ولا مؤاخذة إلا بعد بيان، لقوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً....
٦- تدل هذه الآية أيضا: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً على أن المعاصي سبب للضلالة والهلاك، وطريق إلى ترك الرشاد والهدى.
٧- الله مالك الملك، وبيده مقاليد السموات والأرض، فالنصر منه وحده، لا من الأقارب أو الأباعد.
التوبة على أهل تبوك وعلى الثلاثة المخلفين والصدق
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٧ الى ١١٩]
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)
الإعراب:
كادَ يَزِيغُ اسمها ضمير الشأن، وجملة يَزِيغُ خبرها، وهي تفسير لضمير الشأن، وجاز إضمار الشأن في كادَ دون (عسى) لأنها أشبهت (كان) الناقصة، فإنها لا تستغني عن الخبر، بخلاف (عسى) فإنها قد تستغني عن الخبر إذا وقعت (أن) بعدها. ويجوز أن يكون اسمها ضمير القوم أصحاب النبي، وتقديره: كاد قبيل يزيغ، وضمير مِنْهُمْ عائد على هذا الاسم.
وَعَلَى الثَّلاثَةِ معطوف على النَّبِيِّ في الآية السابقة، وتقديره: لقد تاب الله على النبي وعلى الثلاثة.
البلاغة:
ضاقَتْ.. ورَحُبَتْ بينهما طباق.
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ من صيغ المبالغة.
المفردات اللغوية:
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ أدام توبته. الْعُسْرَةِ الشدة والضيق، وساعَةِ الْعُسْرَةِ: وقتها، وهي حالهم في غزوة تبوك، كانوا في عسرة من الركائب والزاد، حتى قيل: إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة، والعشرة تعتقب على بعير واحد، واشتد الحر حتى شربوا الفرث.
يَزِيغُ يميل عن اتباع النبي إلى التخلف، لما هم فيه من الشدة. ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ بالثبات.
وكرر للتأكيد والتنبيه على أنه تاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة. رَؤُفٌ رَحِيمٌ الرأفة: الرفق بالضعيف، والرحمة: السعي في إيصال المنفعة. وَعَلَى الثَّلاثَةِ أي وتاب على الثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. الَّذِينَ خُلِّفُوا تخلفوا عن الغزو، أو خلّف وأخر أمرهم مدة، فإنهم المرجون لأمر الله، ثم تاب عليهم بعدئذ. رَحُبَتْ أي مع رحبها أو برحبها، أي سعتها، فلا يجدون مكانا يطمئنون إليه، وأعرض الناس عنهم بالكلية، وهو مثل لشدة الحيرة. وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ قلوبهم من فرط الوحشة والغم بتأخير توبتها، فلا يسعها سرور ولا أنس. وَظَنُّوا أيقنوا أو علموا. أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ أن: مخففة، أي ألا ملجأ من سخطه أي لا ملاذ ولا معتصم. ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ وفقهم للتوبة. اتَّقُوا اللَّهَ بترك معاصيه. مَعَ الصَّادِقِينَ في الإيمان والعهود بأن تلزموا الصدق.
سبب النزول:
روى البخاري وغيره عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلّم في غزوة غزاها إلا بدرا، حتى كانت غزوة تبوك، وهي آخر غزوة، وآذن الناس بالرحيل... فأنزل الله توبتنا: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قال: وفينا نزل أيضا: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.
المناسبة:
بعد أن استقصى الله تعالى في شرح أحوال غزوة تبوك، وأحوال المتخلفين عنها، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها، وهذا أسلوب القرآن في تفريق الآيات في الموضوع الواحد، للتأثير على النفس، وتجديد الذكرى، ومنع اليأس في التلاوة.
والآية مناسبة لما قبلها في النهي عن الاستغفار للمشركين، وكان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلّم خلاف الأولى، كما كان من بعض الصحابة زلات، فذكر تعالى أنه تفضل عليهم وتاب عليهم في تلك الزلات.
التفسير والبيان:
لقد تفضل الله ورضي عن نبيه، وتاب على أصحابه المؤمنين الذين صاحبوه واتبعوه في غزوة تبوك وقت الشدة والضيق، التي تسمى غزوة العسرة، وجيشها جيش العسرة الذي جهزه عثمان وغيره من الصحابة رضي الله عنهم. فكانوا في نقص شديد من وسائط الركوب والزاد والماء، حتى إن العشرة يعتقبون البعير الواحد، ويقتسم الاثنان التمرة الواحدة، وينحرون البعير ويعتصرون الفرث الذي في كرشه، ليبلّوا به ألسنتهم، بالإضافة إلى شدة الحر أو حرارة القيظ التي
صادفت خروجهم لتلك الغزوة. قال جابر بن عبد الله في ساعة العسرة: عسرة الظهر (الإبل) وعسرة الزاد، وعسرة الماء.
والتوبة على النبي لأنه كان قد صدر عنه ما هو خلاف الأفضل والأولى، مثل إذن المنافقين في التخلف بناء على اجتهاد منه لم يقره الله عليه لأن غيره خير منه، فسر ابن عباس التوبة على النبي صلى الله عليه وسلّم وعلى المؤمنين، بقوله: كانت التوبة على النبي لأجل إذنه للمنافقين في القعود دليله قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة ٩/ ٤٣] وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه.
والتوبة على الصحابة من المهاجرين والأنصار كانت بسبب تثاقل بعضهم في الخروج، أو لسماعهم للمنافقين ما يثيرونه من فتنة.
والتوبة هنا ذات معنيين: بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلّم تعني الرضا والعطف، وبالنسبة للصحابة تعني قبول التوبة منهم وتوفيقهم إليها.
حدثت هذه التوبة على المؤمنين من بعد ما كاد يزيغ أو يميل بعضهم عن الحق والإيمان، وهم الذين تخلفوا لغير سبب النفاق، وهم الذين عملوا عملا صالحا وآخر سيئا، واعترفوا بذنوبهم، فقبل الله توبتهم. ومن بعد ما ارتاب بعضهم بما نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم.
ثم أكد الله تعالى التوبة عليهم، فقال: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ أي رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه، إن ربهم رؤف رحيم بهم، فلا يتركهم بعد ما صبروا على الجهاد في سبيله، وإنما يزيل ضررهم ويوصل المنفعة إليهم. وهذا معنى الرأفة أي السعي في إزالة الضر، والرحمة أي السعي في إيصال النفع.
وفائدة تأكيد ذكر التوبة مرة أخرى تعظيم شأنهم، وإزالة الشك من نفوسهم، والتجاوز عن وساوسهم التي كانت تقع في قلوبهم في ساعة العسرة.
وتاب الله أيضا على الثلاثة الذين خلّفوا أي تخلفوا عن الغزو لا بسبب النفاق، وإنما كسلا وإيثارا للراحة والقعود. وخلفوا الغازين بالمدينة أي صاروا خلفاء للذين ذهبوا إلى الغزو وأرجئوا وأخروا عن المنافقين فلم يقض فيهم شيء، وهم المرجون لأمر الله، وهم كعب بن مالك الشاعر، وهلال بن أمية الواقفي الذي نزلت فيه آية اللعان، ومرارة بن الربيع العامري، وكلهم من الأنصار.
ووصف الله هؤلاء الثلاثة بصفات ثلاث هي:
الصفة الأولى:
حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ: أي خلفوا عن التوبة حتى شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم على رحبها وسعتها بالخلق جميعا، خوفا من العاقبة، وجزعا من إعراض النبي صلى الله عليه وسلّم عنهم، ومنع المؤمنين من مكالمتهم، وأمر أزواجهم باعتزالهم، حتى بقوا على هذه الحالة خمسين يوما أو أكثر.
والصفة الثانية:
وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ أي ضاقت صدورهم بسبب الهم والغم، ومجانبة الأحباء، ونظر الناس لهم بعين الإهانة.
والصفة الثانية:
وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ أي علموا واعتقدوا ألا ملجأ ولا ملاذ من غضب الله إلا بالتوبة والاستغفار ورجاء رحمته.
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ أي أنزل قبول توبتهم.
لِيَتُوبُوا أي ليرجعوا إليه بعد إعراضهم عن هدايته واتباع رسوله صلى الله عليه وسلّم. وهذه الأوصاف السابقة كانت دليلا على توبتهم وصدقهم في ندمهم. إن الله
كثير القبول لتوبة التائبين، واسع الرحمة للمحسنين. وقصة قبول توبتهم تظهر فيما يأتي:
قال أكثر المفسرين: إنهم ما ذهبوا خلف الرسول عليه الصلاة والسلام،
قال كعب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يحب حديثي، فلما أبطأت عنه في الخروج، قال عليه الصلاة والسلام: «ما الذي حبس كعبا؟» فلما قدم المدينة، اعتذر المنافقون، فعذرهم، وأتيته وقلت: إن كراعي (خيلى) وزادي كان حاضرا، واحتبست بذنبي، فاستغفر لي، فأبى الرسول صلى الله عليه وسلّم ذلك.
ثم إنه عليه الصلاة والسلام نهى عن مجالسة هؤلاء الثلاثة، وأمر بمباينتهم حتى أمر بذلك نساءهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وجاءت امرأة هلال بن أمية، وقالت: يا رسول الله، لقد بكى هلال، حتى خفت على بصره، حتى إذا مضى خمسون يومأ أنزل الله تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وأنزل قوله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فعند ذلك خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى حجرته، وهو عند أم سلمة فقال: «الله أكبر، قد أنزل الله عذر أصحابنا» فلما صلى الفجر ذكر ذلك لأصحابه، وبشرهم بأن الله تاب عليهم، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وتلا عليهم ما نزل فيهم.
فقال كعب: توبتي إلى الله أن أخرج مالي صدقة، فقال: لا، قلت:
فنصفه قال: لا، قلت: فثلاثة؟ قال: نعم «١».
وبعد أن نزل قوله تعالى بقبول توبة هؤلاء الثلاثة، زجر عن فعل ما مضى، وهو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الجهاد، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.
أي اتقوا وتجنبوا ما لا يرضاه الله من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلّم، وكونوا مع الرسول صلى الله عليه وسلّم وأصحابه في الغزوات، ولا تكونوا متخلفين عنها، وجالسين مع المنافقين في البيوت، وكونوا في الدنيا مع الصادقين في إيمانهم وعهودهم، أو في دين الله نية وقولا وعملا، تكونوا في الآخرين مع الصادقين في الجنة.
والصدق: الثبات على دين الله وشرعه، وتنفيذ أوامره، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلّم، وقد استتبع صدق هؤلاء الثلاثة في ندمهم على ما فعلوا قبول الله تعالى توبتهم. وذلك مؤذن بأن الصدق في المواقف طريق النجاة والفلاح،
قال النبي صلى الله عليه وسلّم فيما أخرجه البيهقي مرفوعا: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، إنه يقال للصادق: صدق وبرّ، ويقال للكاذب: كذب وفجر، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا، ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا».
وترك الكذب كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلّم سبيل لترك جميع المعاصي من خمر وزنا وسرقة ونحوها.
ولا يرخص في الكذب إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته ليرضيها، كأن يقول لها: أنت أجمل الناس، وأحب الناس إلى، لا في غير ذلك كمصالح البيت والنفقة ونحوها.
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل يكذب في خديعة حرب، أو صلاح بين اثنين، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها».
وجاء في حديث آخر أخرجه ابن عدي والبيهقي عن عمران بن حصين، وهو ضعيف: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب».
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات: التوبة والصدق.
أما التوبة فكانت شاملة عامة لكل من شارك في غزوة العسرة أو غزوة تبوك. وذلك تفضل من الله ورحمة، بعد ما تعرضوا للشدائد في جميع أوقات تلك الغزوة، قال جابر: اجتمع عليهم عسرة الظّهر، وعسرة الزاد، وعسرة الماء.
قال الزمخشري في قوله تعالى: تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ هو كقوله:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ٤٨/ ٢] وقوله:
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [غافر ٤٠/ ٥٥] وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبي والمهاجرين والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأن صفة التوابين الأولين صفة الأنبياء «١».
وشملت هذه التوبة أيضا الثلاثة الذين خلّفوا عن هذه الغزوة، أي أرجئوا وأخّروا عن المنافقين، فلم يقض فيهم بشيء، وذلك أن المنافقين لم تقبل توبتهم، واعتذر أقوام فقبل عذرهم، وأخّر النبي صلى الله عليه وسلّم هؤلاء الثلاثة حتى نزل فيهم القرآن.
وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم والبخاري وغيرهما. قال كعب فيما رواه مسلم:
كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله عز وجل: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وليس الذي ذكر الله مما خلّفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه.
والأوصاف الثلاثة التي وصفهم بها القرآن دليل على صدقهم في التوبة. لذا
أمر تعالى بالصدق بعد هذه الأوصاف، وهو خطاب لجميع المؤمنين يأمر فيه تعالى التزام مذهب الصادقين وسبيلهم.
والآية هذه توجب الصدق، وهو أمر حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق، وأبعدهم عن منازل المنافقين، وهي دالة على فضل الصدق، وكمال درجته.
ولا شك بأن التوبة النصوح من أخص أحوال الصدق، فما على العاقل المتقي إلا ملازمة الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأفعال، والصفاء في الأحوال، ومن اتصف بذلك صار مع الأبرار، وحظي برضا الإله الغفار.
موقفا صدق وإيمان للمقارنة مع المتخلفين: الأول-
عن أبي ذر الغفاري أن بعيره أبطأ به، فحمل متاعه على ظهره، واتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلّم ماشيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما رأى سواده: كن أبا ذر! فقال الناس: هو ذاك، فقال:
«رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده».
والثاني-
أن أبا خيثمة الأنصاري بلغ بستانه، وكانت له امرأة حسناء فرشت له في الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب والماء البارد، فنظر فقال: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم في الحر والريح، ما هذا بخير، فقام فرحل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومر كالريح، فمد رسول الله صلى الله عليه وسلّم طرفه إلى الطريق، فإذا براكب يزهاه السراب، فقال: كن أبا خيثمة! فكان، ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلّم، واستغفر له «١».
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي