ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

هذا المقطع الأخير من السورة - أو الدرس الأخير فيها - بقية في الأحكام النهائية في طبيعة العلاقات بين المجتمع المسلم وغيره ؛ تبدأ من تحديد العلاقة بين المسلم وربه، وتحديد طبيعة " الإسلام " الذي أعلنه ؛ ومن بيان تكاليف هذا الدين، ومنهج الحركة به في مجالاته الكثيرة.
إن الدخول في الإسلام صفقة بين متبايعين.. اللّه - سبحانه - فيها هو المشتري والمؤمن فيها هو البائع. فهي بيعة مع اللّه لا يبقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه ولا في ماله يحتجزه دون اللّه - سبحانه - ودون الجهاد في سبيله لتكون كلمة اللّه هي العليا، وليكون الدين كله للّه. فقد باع المؤمن للّه في تلك الصفقة نفسه وماله مقابل ثمن محدد معلوم، هو الجنة : وهو ثمن لا تعدله السلعة، ولكنه فضل اللّه ومَنَّه :
( إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون، وعدا عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن. ومن أوفى بعهده من اللّه ؟ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم ).
والذين بايعوا هذه البيعة، وعقدوا هذه الصفقة هم صفوة مختارة، ذات صفات مميزة.. منها ما يختص بذوات أنفسهم في تعاملها المباشر مع اللّه في الشعور والشعائر ؛ ومنها ما يختص بتكاليف هذه البيعة في أعناقهم من العمل خارج ذواتهم لتحقيق دين اللّه في الأرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام على حدود اللّه في أنفسهم وفي سواهم :
( التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون الساجدون، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود اللّه. وبشر المؤمنين ).
والآيات التالية في السياق تقطع ما بين المؤمنين الذين باعوا هذه البيعة وعقدوا هذه الصفقة، وبين كل من لم يدخلوا معهم فيها - ولو كانوا أولى قربى - فقد اختلفت الوجهتان، واختلف المصيران، فالذين عقدوا هذه الصفقة هم أصحاب الجنة، والذين لم يعقدوها هم أصحاب الجحيم. ولا لقاء في دنيا ولا في آخرة بين أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم. وقربى الدم والنسب إذن لا تنشئ رابطة، ولا تصلح وشيجة بين أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم :
( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - ولو كانوا أولي قربى - من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ).
( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه. إن إبراهيم لأواه حليم )..
وولاء المؤمن يجب أن يتمحض للّه الذي عقد معه تلك الصفقة ؛ وعلى أساس هذا الولاء الموحد تقوم كل رابطة وكل وشيجة - وهذا بيان من اللّه للمؤمنين يحسم كل شبهة ويعصم من كل ضلالة - وحسب المؤمنين ولاية اللّه لهم ونصرته ؛ فهم بها في غنى عن كل ما عداه، وهو مالك الملك ولا قدرة لأحد سواه :
( وما كان اللّه ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، إن اللّه بكل شيء عليم )،
( إن اللّه له ملك السماوات والأرض، يحيي ويميت، وما لكم من دون اللّه من ولي ولا نصير ).
ولما كانت هذه طبيعة تلك البيعة ؛ فقد كان التردد والتخلف عن الغزوة في سبيل اللّه أمراً عظيماً، تجاوز اللّه عنه لمن علم من نواياهم الصدق والعزم بعد التردد والتخلف ؛ فتاب عليهم رحمة منه وفضلاً :
( لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ؛ ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ).
( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ؛ ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن اللّه هو التواب الرحيم ).
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )
ومن ثم بيان محدد لتكاليف البيعة في أعناق أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ؛ أولئك القريبون من رسول اللّه - [ ص ] - الذين يؤلفون القاعدة الإسلامية، ومركز الانطلاق الإسلامي ؛ واستنكار لما وقع منهم من تخلف ؛ مع بيان ثمن الصفقة في كل خطوة وكل حركة في تكاليف البيعة :
( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول اللّه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل اللّه، ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح، إن اللّه لا يضيع أجر المحسنين )،
( ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم، ليجزيهم اللّه أحسن ما كانوا يعملون )
ومع هذا التحضيض العميق على النفرة للجهاد بيان لحدود التكليف بالنفير العام. وقد اتسعت الرقعة وكثر العدد، وأصبح في الإمكان أن ينفر البعض ليقاتل ويتفقه في الدين ؛ ويبقى البعض للقيام بحاجيات المجتمع كله من توفير للأزواد ومن عمارة للأرض، ثم تتلاقى الجهود في نهاية المطاف :
( وما كان المؤمنون لينفروا كافة. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، لعلهم يحذرون ! )
وفي الآية التالية تحديد لطريق الحركة الجهادية - بعدما أصبحت الجزيرة العربية بجملتها قاعدة للإسلام ونقطة لانطلاقه - وأصبح الخط يتجه إلى قتال المشركين كافة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للّه.. وقتال أهل الكتاب كافة كذلك حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون :
( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار، وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن اللّه مع المتقين )..
وعقب هذا البيان المفصل لبيان طبيعة البيعة ومقتضياتها وتكاليفها وخطها الحركي.. يعرض السياق مشهداً من صفحتين تصوران موقف المنافقين وموقف المؤمنين من هذا القرآن وهو يتنزل بموحيات الإيمان القلبية، وبالتكاليف والواجبات العملية. ويندد بالمنافقين الذين لا تهديهم التوجيهات والآيات، ولا تعظهم النذر والابتلاءات :
( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول : أيكم زادته هذه إيماناً ؛ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون ).
( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ).
( أو لا يرون أنهم يُفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ؟ )
( وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض : هل يراكم من أحد ؟ ثم انصرفوا. صرف اللّه قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون )..
ويختم الدرس وتختم معه السورة بآيتين تصوران طبيعة رسول اللّه - [ ص ] - وحرصه على المؤمنين ورأفته بهم ورحمته. مع توجيهه - [ ص ] - إلى الاعتماد على اللّه وحده، والاستغناء عن المعرضين الذين لا يهتدون :
( لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم. فإن تولوا فقل حسبي اللّه لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم )
ولعله من خلال هذا العرض الإجمالي لمحتويات هذا المقطع الأخير في السورة يتجلى مدى التركيز على الجهاد ؛ وعلى المفاصلة الكاملة على أساس العقيدة ؛ وعلى الانطلاق بهذا الدين في الأرض - وفقاً للبيعة على النفس والمال بالجنة للقتل والقتال - لتقرير حدود اللّه والمحافظة عليها ؛ أي لتقرير حاكمية اللّه للعباد، ومطاردة كل حاكمية مغتصبة معتدية !
ولعله من خلال هذا العرض الإجمالي لهذه الحقيقة كذلك يتجلى مدى التهافت والهزيمة التي تسيطر على شراح آيات اللّه وشريعة اللّه في هذا الزمان ؛ وهم يحاولون جاهدين أن يحصروا الجهاد الإسلامي في حدودالدفاع الإقليمي عن " أرض الإسلام " بينما كلمات اللّه - سبحانه - تعلن في غير مواربة عن الزحف المستمر على من يلون " أرض الإسلام " هذه من الكفار ؛ دون ذكر لأنهم معتدون ! فالاعتداء الأساسي متمثل في اعتدائهم على ألوهية اللّه - سبحانه - بتعبيد أنفسهم وتعبيد العباد لغير اللّه. وهذا الاعتداء هو الذي يقتضي جهادهم ما استطاع المسلمون الجهاد !
وحسبنا هذه الإشارة في هذا التقديم المجمل للدرس الأخير، لنواجه نصوصه بالتفصيل.
ولما كانت تلك طبيعة البيعة، كان التخلف عن الجهاد للقادرين - أياً كانت الأسباب - أمراً مستنكراً عظيماً ؛ وكان ما بدا في الغزوة من التردد والتخلف ظاهرة لا بد من تتبعها والتركيز عليها.. وفي الآيات التالية يبين مدى فضل اللّه ورحمته بالمؤمنين إذ يتجاوز عما بدا من التردد والتخلف من المؤمنين المخلصين، ويتوب عليهم فيما وقع منهم من اخطاء صغرت أم كبرت.. كذلك يبين عن مصير الثلاثة الذين خلفوا بغير حكم في أمرهم - وهم المرجون لأمر اللّه الذين سبق ذكرهم - حتى نزل هذا الحكم بعد فترة من الزمان :
( لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ؛ ثم تاب عليهم ليتوبوا. إن اللّه هو التواب الرحيم ).
وتوبة اللّه على النبي - [ ص ] - تفهم بالرجوع إلى ما كان في أحداث الغزوة بجملتها ؛ والظاهر أنها متعلقة بما سبق أن قال اللّه عنه لنبيه :( عفا اللّه عنك. لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ).. ذلك حين استأذنه جماعة من أولي الطول بأعذار منتحلة فأذن لهم. وقد عفا اللّه عنه في اجتهاده
[ ص ] - مع تنبيهه إلى أن الأولى كان هو التريث حتى يتبين الصادقين في أعذارهم من الكاذبين المتمحلين !
وتوبته على المهاجرين والأنصار يشير النص الذي بين أيدينا إلى ملابساتها في قوله تعالى :( الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ).. وقد كان بعضهم تثاقل في الخروج ثم لحق بالركب كما سنفصل - وهم من خلص المؤمنين - وبعضهم استمع للمنافقين المرجفين بهول لقاء الروم ! ثم ثبت اللّه قلبه ومضى بعد تردد.
ويحسن أن نستعرض بعض ظروف الغزوة وملابساتها لنعيش في جوها الذي يقرر اللّه - سبحانه - أنه كان ( ساعة العسرة ). ولندرك طبيعة الانفعالات والحركات التي صاحبتها [ ونحن نلخص في هذا من السيرة لابن هشام، ومن إمتاع الأسماع للمقريزي، ومن البداية والنهاية لابن كثير، ومن تفسير ابن كثير ] :
لما نزل قوله تعالى :( قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون... )أمر رسول اللّه - [ ص ] - أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم [ ويلاحظ أن الاشتباك بالروم كان قد سبق نزول هذه الآيات في غزوة مؤتة فهذا الأمر الأخير إنما جاء تقريراً للخطة الدائمة المستقرة في آخر ما نزل من القرآن ] وذلك في زمن عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاء، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال والزمان الذي هم عليه. وكان رسول اللّه - [ ص ] - قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له [ أي يقصد إليه ] إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته. فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم.
واستأذن بعض المنافقين رسول اللّه - [ ص ] - في التخلف مخافة الفتنة ببنات الروم ! فأذن ! وفي هذا نزل عتاب اللّه لنبيه في الإذن مصدراً بالعفو عنه في اجتهاده :
( عفا اللّه عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ؟ )..
وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض : لا تنفروا في الحر - زهادة في الجهاد، وشكاً في الحق، وإرجافاً برسول اللّه - [ ص ] - فأنزل اللّه تبارك وتعالى فيهم :
( وقالوا : لا تنفروا في الحر، قل : نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون ).
وبلغ رسول اللّه - [ ص ] - أن ناساً من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبطون الناس عن رسول اللّه - [ ص ] - في غزوة تبوك ؛ فبعث إليهم النبي - [ ص ] - طلحة ابن عبيد اللّه في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا. ثم تاب الضحاك.
ثم إن رسول اللّه - [ ص ] - جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والإسراع. وحض أهل الغنى على النفقة وحمل المجاهدين الذين لا يجدون ما يركبون ؛ فحمل رجال من أهل الغنى محتسبين عند اللّه. وكان في مقدمة المنفقين المحتسبين، عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - فأنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها.. قال ابن هشام : فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار، فقال رسول اللّه - [ ص ] - :" اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض ". وقال عبد اللّه بن أحمد في مسند أبيه -بإسناده - عن عبد الرحمن بن حباب السلمي، قال : خطب النبي - [ ص ] - فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان : عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال : ثم نزل مرقاة من المنبر، ثم حث، فقال عثمان : عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال : فرأيت رسول اللّه - [ ص ] - يقول بيده هكذا يحركها [ وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب ] :" ما على عثمان ما عمل بعد هذا ".. [ وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبي داود الطيالسي، عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به. وقال : غريب من هذا الوجه ]. ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به، وقال : ثلاث مرات وأنه التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها..
وأخرج ابن جرير من طريق يحيى بن أبي كثير، ومن طريق سعيد عن قتادة وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة - بألفاظ مختلفة - قال : حث رسول اللّه - [ ص ] - على الصدقة [ يعني في غزوة تبوك ] فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف [ أي درهم ]، فقال يا رسول اللّه، ما لي ثمانية آلاف، جئتك بنصفها وأمسكت نصفها. فقال :" بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أعطيت ". وجاء أبو عقيل بصاع من تمر فقال : يا رسول اللّه أصبت صاعين من تمر، صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي. قال : فلمزه المنافقون، وقالوا : ما الذي أعطى ابن عوف إلا رياء. وقالوا ألم يكن اللّه ورسوله غنيين عن صاع هذا ؟ !
وفي روايات أخرى أنهم قالوا عن أبي عقيل [ وهو الذي بات يعمل عند يهودي ليحصل على صاعين أجرا له جاء بأحدهما لرسول اللّه - [ ص ] - ] إنه إنما أراد أن يذكر بنفسه !
ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول اللّه - [ ص ] - وهم البكاءون. وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فاستحملوا رسول اللّه - [ ص ] - [ أي طلبوا منه أن يحملهم على ركائب إلى أرض المعركة ]، وكانوا أهل حاجة. فقال :( لا أجد ما أحملكم عليه ). فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون.
قال ابن إسحاق : فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد اللّه بن مغفل [ من السبعة البكائين ] وهما يبكيان فقال : ما يبكيكما ؟ قال : جئنا رسول اللّه - [ ص ] - ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه. فأعطاهما ناضحاً له [ أي جملاً يستقي عليه الماء ] فارتحلاه. وزودهما شيئاً من تمر، فخرجا مع رسول اللّه [ ص ].
زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق : وأما علبة بن زيد [ أحد البكائين ] فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء اللّه، ثم بكى وقال : اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغّبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض.. ثم أصبح مع الناس. فقال رسول اللّه - [ ص ] - :" أين المتصدق هذه الليلة ؟ " فلم يقم أحد ! ثم قال :" أين المتصدق ؟ فليقم " فقام إليه فأخبره. فقال رسول اللّه - [ ص ] - :" أبشر، فوالذي نفسي بيده، لقد كتبت لك في الزكاة المتقبلة "..
ثم خرج رسول اللّه - [ ص ] - بمن معه وقد قارب عددهم ثلاثين ألفاً من أهل المدينة ومن قبائلالأعراب من حولها. وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية من غير شك ولا ارتياب، منهم : كعب ابن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية [ وهم الثلاثة الذين سيرد تفصيل قصتهم ] وأبو خيثمة وعمير بن وهب الجمحي.. وضرب رسول اللّه - [ ص ] - عسكره على " ثنية الوداع " وضرب عبد اللّه بن أبي - رأس النفاق - عسكره على حدة، أسفل منه، قال ابن إسحاق :[ وكانوا فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين ].. ولكن الروايات الأخرى تقول : إن الذين تخلفوا فعلاً دون المائة.. فلما سار رسول اللّه - [ ص ] - تخلف عنه عبد اللّه بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب.
ثم مضى رسول اللّه - [ ص ] - سائراً، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون : يا رسول اللّه، تخلف فلان، فيقول :" دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه تعالى بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه " حتى قيل : يا رسول اللّه، قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال :" دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه ". وتلوم أبو ذر على بعيره [ أي انتظر عليه ]، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول اللّه - [ ص ] - ماشياً. ونزل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال : يا رسول اللّه، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده. فقال رسول اللّه - [ ص ] - :" كن أبا ذر " فلما تأمله القوم قالوا : يا رسول اللّه، هو واللّه أبو ذر. فقال رسول اللّه - [ ص ] - :" رحم اللّه أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده ".
ثم إن أبا خيثمة رجع - بعد أن سار رسول اللّه [ ص ] أياماً - إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه [ أي في حديقته ] قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء. وهيأت له فيه طعاماً. فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال : رسول اللّه - [ ص ] - في الضحَ [ أي الشمس ] والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ؟ ! ما هذا بالنصف ! ثم قال : واللّه لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول اللّه - [ ص ] - فهيئا لي زاداً. ففعلتا. ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول اللّه - [ ص ] - حتى أدركه حين نزل تبوك.. وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطلب يطلب رسول اللّه - [ ص ] - فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب : إن لي ذنباً فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول اللّه - [ ص ] - ففعل. حتى إذا دنا من رسول اللّه - [ ص ] - وهو نازل بتبوك قال الناس : هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول اللّه - [ ص ] - :" كن أبا خيثمة ". فقالوا : يا رسول اللّه، هو واللّه أبو خيثمة فلما أناخ أقبل فسلم على رسول اللّه - [ ص ] - فقال له رسول اللّه [ ص ] " أولى لك يا أبا خيثمة ! ". ثم أخبر رسول اللّه - [ ص ] - الخبر. فقال له رسول اللّه - [ ص ] - خيرا، ودعا له بخير.
قال ابن إسحاق : وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له :" مُخشن بن حُمير " [ قال ابن هشام : ويقال : مخشى ] يشيرون إلى رسول اللّ

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير