لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( ١١٧ ) وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ ( ١ ) أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ١١٨ ) ( ١١٧ – ١١٨ ).
في الآيتين :
( ١ ) تطمين رباني بتوبة الله تعالى ورضائه عن النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ظرف عسير شاق حتى كاد يزيغ بعضهم فيه ويتورطون في موقف لا يرضاه الله. فثبتهم وتاب عليهم ؛ لأنه رؤوف رحيم بهم.
( ٢ ) وتطمين رباني آخر بشمول توبة الله تعالى ورحمته أيضا للثلاثة المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين استشعروا بخطئهم استشعارا جعل الأرض تضيق بهم على رحبها، بل وجعل أنفسهم تضيق عليهم فلجأوا إلى الله ليعفو عنهم ؛ لأنهم تيقنوا أن لا ملجأ لهم ولا مفر منه إلا إليه فتاب عليهم. وهو التواب الرحيم.
تعليق على الآية :
لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ...................
والآية التالية لها.
وما روي في صددهما من روايات
وما انطوى فيهما من صور وتلقين
الآيتان تبدوان فصلا جديدا مع اتصالهما بموضوع غزوة تبوك. وفحواهما يلهم أنهما نزلتا بعد عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من تبوك وهو ما تفيده الروايات المروية في صددهما. والمتبادر أنهما نزلتا بعد الفصل السابق الذي رجحنا أنه نزل بعد العودة من تبوك فوضعتا بعده.
ولم يرو المفسرون حادثا معينا في صدد نزول الآية الأولى، وإنما رووا وصفا لظروف غزوة تبوك، وما كان فيها من شدة كادت قلوب فريق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزيغ منها على حد التعبير القرآني. والمتبادر أن توبة الله المعلنة في هذه الآية هي متصلة بذلك ( ١ )١. ووصف القرآن لها بيوم العسرة مؤيد لذلك ؛ حيث كانت عسرة من شدة الحر وعسرة من قلة الظهر والزاد والماء حتى كان الثلاثة والأربعة بل والعشرة منهم يتناوبون على بعير واحد. وحتى وصل العطش بهم أحيانا إلى نحر الإبل واعتصار كروشها. وحتى وصلت قلة الطعام مع بعضهم إلى الاكتفاء أحيانا بالتمرات القليلة في اليوم بل إلى المناوبة في لوك التمرة الواحدة. وقد برح ببعضهم التعب حتى كان بعضهم يتخلف عن الركب فيخبرون النبي صلى الله عليه وآله وسلم به فيقول : دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم منه. وكان من المتخلفين ثم اللاحقين أبو ذر رضي الله عنه. وتخلف من المخلصين بضعة نفر أحدهم أبو خيثمة الأنصاري الذي ندم بعد رحيل الجيش والتحق به في خبر شائق يرويه ابن هشام ؛ حيث قال ( ١ )٢ : إنه جاء أهله في يوم حار فوجد زوجتيه في عريشين لهما في حائطه – بستانه – كل منهما قد رشت عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الضح – في الشمس – والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم. ما هذا بالنصف. ثم قال : والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهيأ لي زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك. ولقي في طريقه واحدا مثله خرج للالتحاق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عمير بن وهب الجمحي فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير : إن لي ذنبا فلا عليك أن تتخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبلك، ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الناس : هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( كن أبا خيثمة ) فقالوا : يا رسول الله هو والله أبو خيثمة فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره فدعا له بخير. وقد أورد ابن هشام أبياتا منسوبة إليه جاء فيها :
لما رأيت الناس في الدين نافقوا أتيت التي كانت أعف وأكرما
وبايعت باليمنى يدي لمحمد فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما
تركت خضيبا في العريش وصرمة صفايا كراما بسرها قد تحمما
وكنت إذا شك المنافق أسمحت إلى الدين نفسي شطره حيث يمما
ومما يلفت النظر اختصاص المهاجرين والأنصار بالذكر في الآية الأولى، في حين أن الروايات تذكر أن من القبائل البدوية من اشتراك في الحملة إلى جانبهم. ومما يؤيده ذكر حادث اعتذار بعض الأعراب ذوي القدرة والثروة في الآية ( ٩٠ ) وبعدها.
ويتبادر لنا أن هذا هو بسبب كون هذه الطبقة هي التي كانت العمود الحقيقي القوي الذي قامت عليه الدعوة والمجتمع الإسلامي في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعقب وفاته. والتي كانت تسارع إلى تأييد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستجابة إليه قلبا وقالبا في كل ظرف وبخاصة في الملمات فيقتدي بها سائر الناس. فالمتبادر أن حكمة التنزيل اختصتهم بالذكر استعظاما لما حكته الآية عن بعضهم : كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ لأنه لم يكن يصح أن يصدر مثل هذا من أي فرد من هذه الطبقة. أما ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم وشموله بالتوبة، فقد روى بعض المفسرين عن ابن عباس وغيره أن ذلك إما بسبب موقف التساهل الذي وقفه من المستأذنين بالتخلف والإذن لهم مما حكته بعض الآيات وإما بقصد تشريف المهاجرين والأنصار وتطمينهم. وكلا القولين وجيه وإن كنا نرجح الثاني ؛ لأن موضوع الإذن قد ذكر في آية بأسلوب تحببي عتابي مع ذكر عفو الله عنه وهي الآية ( ٤٣ ) فلم يبق محل لتوبة أخرى والله أعلم.
أما الآية الثانية فهي في حق ثلاثة من المخلصين تكاسلوا وتخلفوا في المدينة بدون عذر، وقد روى المفسرون خبرهم، وقد روى خبرهم الشيخان والترمذي في سياق تفسير الآية في حديث طويل عن كعب بن مالك أحد الثلاثة رأينا إيراده لما فيه من فوائد وصور رائعة عن أخلاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ١ )٣. قال :( لم أتخلف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك. غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحدا تخلف عنه إنما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة فغزاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل عددا كثيرا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ. فقلَّ يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله. وكانت تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر. فتجهز النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا فأقول في نفسي : أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح النبي صلى الله عليه وآله وسلم غاديا والمسلمون معه. ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، ويا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم : ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال رجل من بني سلمة : يا رسول الله حبسه براده والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل : بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال صلى الله عليه وآله وسلم : كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون. فلما بلغني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم أخرج من سخطه غدا، وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلما قيل لي : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فجاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال : تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال لي : ما خلفك. ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ فقلت : يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا. ولكني الله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي. ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله. والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا : والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا. لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى النبي بما اعتذر به إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفارا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لك قال : فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكذب نفسي ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي من أحد. قالوا : نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل قيل لك، قلت : من هما قالوا : مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين عن كلامنا : أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي نفسي في الأرض فما هي بالأرض التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكنا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسو
٢ انظر ابن هشام ج ٤ ص ١٧٤ – ١٨٦..
٣ التاج ج ٤ ص ١٢٢ – ١٢٨..
التفسير الحديث
دروزة