قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ( ١١٩ ) :
هذه الآية متضمنة الأمر بالصدق، إلا أنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا " ١ وفي حديث آخر أنه لم يرخص في الكذب إلا في ثلاث : كان يقول : " لا أعدهن كذبا : الرجل يصلح بين الناس فيقول قولا يريد به الصلاح، والرجل يكذب إلى زوجته، والمرأة تحدث زوجها والرجل يتقول في الحرب " ٢ واختلف الناس في هذا فأجازت طائفة منهم الكذب وحجتهم في هذا القول الحديث ويتأول الآية في الموضع الذي يجب فيه الصدق. ولم تجز طائفة الكذب تصريحا ولا تعريضا في جد ولا لعب وهو قول إبراهيم النخعي وابن مسعود ٣. واحتج ابن مسعود لذلك بهذه الآية : وكونوا مع الصادقين وأجازته طائفة تعريضا ولم تجزه تصريحا وهو قول الجمهور وحجة الطبري. فأما ما وفى به الرجل دمه من الكذب فلا خلاف في جوازه، قال أبو الحسن : وفي هذه الآية دلالة على التأمل في الأول وأن لا يتبع منها إلا ما دلت الدلالة عليه وبان صدقه. فأما أن يأخذ تقليدا دون أن يعلم صدقه فلا. وليس فيه دلالة على رد أخبار الآحاد والظنون لأنها لا تقبل عندنا إلا إذا دل الدليل القاطع على وجوب اتباعها والعمل بها، والدليل الذي يوجب العمل بها معلوم صدقه حقيقة، فيكون الاتباع للصادق تحقيقا ٤.
٢ راجع سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في إصلاح ذات البين ٤/ ٣٣١..
٣ قال القرطبي: قال ابن العربي "وهذا القول هو الحقيقة والغاية التي إليها المنتهى فإن في هذه الصفة يرتفع بها النفاق في العقيدة والمخالفة في الفعل".
وقال مالك: لا يقبل خبر الكاذب في حديث الناس وإن صدق في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. راجع الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٨٩..
٤ راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢١٩..
أحكام القرآن
ابن الفرس