ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ( ١١٩ ) .
وساعة ينادي الحق عزّ وجلّ عبادة المؤمنين، فهو سبحانه إما أن يناديهم بحكم يتعلق بالأيمان، وإما يناديهم بالإيمان ويطلب منهم الإيمان مثل قوله الحق :
يا أيها الذين آمنوا آمنوا١ بالله ورسوله... ( ١٣٦ ) ( النساء ).
والحق سبحانه يبين للذين آمنوا به قبل أن يخاطبهم، أنه من الممكن أن يؤمن الإنسان ثم يتدبدب في إيمانه، فيطلب منه الحق " دوام الإيمان " فإذا طلب الله من عباده ما كان موجودا فيهم ساعة الخطاب، فالمطلوب دوامه، وإن طلب منهم حكما يتعلق بالإيمان، فهو يوجّههم إلى استماع وتطبيق ما يطلب منهم، ومثال هذا قول الحق سبحانه : اتقوا الله... ( ١١٩ ) ( التوبة ).
وكلمة اتقوا تعني : اجعلوا بينكم وبين الله وقاية، ويتساءل البعض : هل يطلب أحد من الإنسان أن يجعل بينه وبين ربه وقاية ؟ إن العبد المؤمن يطلب أن يكون في معيّة الله. وهنا تأتي ضرورة فهم صفات الجمال وصفات الجلال. إن قوله سبحانه : اتقوا الله يعني : اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال وقاية، ومثلما قال سبحانه : فاتقوا النار( ٢٤ ) ( البقرة )
لأن النار من جنود صفات الجلال، فاجعلوا بينكم وبين الله وقاية من صفا ت الجلال.
وهنا يقول الحق : اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ، وفسر بعض العلماء قوله : كونوا مع الصادقين بمعنى كونوا من الصادقين، أي : أن " مع " هنا بمعنى " من " والمقصود أن يعطي هذا القول معنى إجماليّا عامّا. لكني أقول : هناك فرق بين وكونوا مع الصادقين و " كونوا من الصادقين "، فقوله الحق : وكونوا مع الصادقين أي : التحموا بهم فتكونوا في معيّتهم، وبعد أن تلتحموا بهم يأتي الذين من بعدكم ويجدونكم مع الصادقين.
ويقتضي الأمر هنا أن نتذكر ما سبق أن قلناه عن النسبة الكلامية والنسبة الذهنية، فأيّ قضية تمر علة ذهنك قبل أن تقولها هي نسبة ذهنية، مثل قولك :" محمد زارني " وأنت قبل أن تقول هذه العبارة جاء إلى ذهنك أن تنطقها، وهذه " نسبة ذهنية ". ومن يسمعك لا يدري بها، ولكونك المتكلم فأنت وحدك الذي تدري بها، فإذا ما نطقتها وسمعها منك المخاطب ؛ علم أن نسبة ذهنية جاءت في ذهنك فترجمتها قولا بالنسبة الكلامية. فحين قلت :" محمد زارني بالأمس " جاءت في ذهنك قبل أن تقولها، فلما سمعها السامع عرف أن هناك نسبتين ؛ نسبة سمعها عن نسبة عندك.
وحين يمحّص السامع هذا القول ؛ يعلم أن هناك واحدا في الواقع اسمه محمد وعلم منك أنه قد زارك، وخبرته معك دائما أنك صادق، إذن : فالصدق٢ هو أن تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع. أما إذا قلت : إن محمدا قد سافر إلى أمريكا، وهو لم يسافر، فهذا يعني أن النسبة الكلامية لم تتطابق مع النسبة الواقعية وهذا هو الكذب. إذن : فهناك " نسبة ذهنية " و " نسبة كلامية " و " نسبة واقعية ". فإن تطابقت النسبة الكلامية مع النسبة الواقعية، فذلك هو الصدق، وإن لم تتطابق يكون الكذب.
وكل نسبة تقولها تحتمل أن تكون صادقة أو كاذبة، والفيصل في هذا الأمر هو الواقع، هل يتطابق ما تقول مع الواقع أم لا ؟. أما إن قلت لك :" زر فلانا " فهذه نسبة إنشاء ؛ لأن الواقع يأتي بعدها، لا قبلها.
وهنا يقول الحق سبحانه : اتقوا الله وكونوا مع الصادقين والصدق هو الخلّة٣ التي تجمع كل الإيمان، ولنر التطبيق لذلك في قصة الرجل البدوي الذي ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله، إن فيّ خلالا ثلاثة لا أقدر على التخلّي عنها أبدا، أما الأولى فهي النساء، وأما الثانية فهي الخمر، وأما الثالثة فهي الكذب، وقد جئتك يا رسول الله، لتختار لي خصلة٤ من الثلاثة وتقويني عليها، وأعاهد ربنا عليها. فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي أن يتوب عن الكذب، وأن يتحلّى بالصدق، فقال له : كن صادقا وما عليك. وحين أحب الأعرابي أن يشرب كأس خمر ؛ تساءل : وماذا إن سألني النبي صلى الله عليه وسلم أشربت الخمر ؟ وامتنع عن الخمر حتى لا يكذب على الرسول. وحين جاء ليختلس النظر إلى امرأة، قال لنفسه :" وماذا إن سألني صلى الله عليه وسلم وكيف أخزي نفسي بصفة لا تليق بمسلم ؛ فامتنع عن النظر إلى المحارم، وهكذا سيطر الصدق على الرجل فهذّب سلوكه. وحين سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيكون المؤمن جبانا ؟ فقال : نعم. فقيل له : أيكون المؤمن بخيلا ؟ فقال : نعم. فقيل له : أيكون المؤمن كذابا ؟ فقال لا٥. لأن مدخل الإيمان هو التصديق بالقضية العقدية الجازمة، وهكذا تجد أن الصدق هو " رأس الأمر كله ".
وقوله الحق : وكونوا مع الصادقين أي : لا تقولوا كلاما لا يصادفه الواقع، وكذلك إياكم أن تقولوا كلاما تناقضه أفعالكم ولهذا يقول الحق سبحانه :
لم تقولون ما لا تفعلون( ٢ ) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ( ٣ ) ( الصف )
وفي سورة البقرة يقول الحق سبحانه : ليس البر٦ أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين و في الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة.... ( ١٧٧ ) ( البقرة ).
ولننتبه إلى الملاحظ الدقيقة في هذه الآية، فقد قال الحق هنا : وآتى المال على حبه ذوي القربى... ( ١٧٧ ) ( البقرة ).
ثم ذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلماذا إذن ذكر وآتى المال ؟ أقول : لقد ذكر الحق هنا المال الذي ينفقه المؤمن دون أن يكون مفروضا عليه إخراجه مثل الزكاة، فالزكاة واجبة، أما إيتاء المال تصدقا، فهذا فوق الواجب٧.
ثم يقول سبحانه :{ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء٨. والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون( ١٧٧ ) ( البقرة ).
هذه هي صفات من صدقوا، وهم هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد صدقوا واتقوا.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين( ١١٩ ) ( التوبة )، وقد جاء الحق بصفة " الصدق " هنا ؛ لأن المجال هو الحديث عمن تخلّف عن الغزوات، وكذب في الأعذار التي افتعلها ؛ لذلك يأتي التوجيه السماوي أن ادخلوا من باب الصدق٩.

١ وهنا يقول العارف بالله: إن الإيمان إما أن يطلب على جهة الهداية وإما على جهة الدلالة، وإما على جهة المعية، فالإيمان الهداية والإدراك بالانفعال مع المدركات، وإيمان المعية بالاختيار، فالنداء إذا تكرر مطلوبه فهو مقامات إيمانية، مصداقا لقوله تعالى:إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (٢) (الأنفال).
٢ أن تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع فهو الصدق، وإذا خالفت النسبة الكلامية الواقع كان الكذب، وهذا ما ذهب إليه علماء البلاغة والمنطق..
٣ الخلة: الصفة والخلق، جمعها خلال..
٤ الخصلة: الخلة والصفة. وجمعها خصال وخصلات..
٥ أخرجه الإمام مالك في موطئه(ص٩٩٠) من حديث صفوان بن سليم مرسلا..
٦ البر: هو الخير والإحسان، و هو الإيمان الصادق وفعل الخيرات..
٧ الزكاة فرض، وإيتاء المال تصدقا: فضل، والخير لمن جمع بينهما..
٨ البأساء: أي: في حال الفقر. الضراء: في حال المرض والسقم. حين البأس: في حال القتال ولقاء الأعداء..
٩ عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى اله عليه وسلم:" عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما زال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فغن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦٠٧) والبخاري في صحيحه (٦٠٩٤).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير