قال تعالى : ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله شهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خلدون ( ١٧ ) [ التوبة : آية ١٧ ] مسجد الله مساجد هنا ذكرت مرتين : ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله والثانية في قوله : إنما يعمر مسجد الله . أما الأولى منهما وهي قوله : ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله ، فقد قرأه عامة السبعة غير ابن كثير وأبي عمرو : أن يعمروا مسجد الله بصيغة جمع التكسير. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو : ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ١.
أما مساجد الثانية وهي قوله : إنما يعمر مسجد الله فقد أجمع جميع القراء على قراءتها بصيغة الجمع إنما يعمر مسجد الله ولم يقرأها أحد بالإفراد كما هو معروف.
وقوله : ما كان للمشركين سبب نزولها أن كفار قريش صدوا النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت الحرام، وقالوا : هو بيتنا ونحن أولياؤه، وافتخروا بعمارة المسجد الحرام، كما يأتي. يفتخرون دائما ببيت الله الحرام وأنهم عماره وأهله، كما سيأتي في قوله : فكنتم على أعقبكم تنكصون ( ٦٦ ) مستكبرين به سمرا تهجرون ( ٦٧ ) [ المؤمنون : الآيتان ٦٦، ٦٧ ] وفي القراءة الأخرى : تهجون ٢. مستكبرين به أي : بالبيت، على أظهر التفسيرين ؛ لأنهم يتكبرون به بأنهم قطانه وعماره وأولياؤه، فرد الله عليهم في هذه الآية الكريمة. وقد قدمنا طرفا من ذلك في سورة الأنفال في قوله : وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ( ٣٤ ) [ الأنفال : آية ٣٤ ]. وقال هنا : ما كان للمشركين ما يصح ولا ينبغي ولا يمكن هذا التناقض ؛ لأن المساجد بيوت الله، أسست على طاعته والتقرب إليه بما يرضيه، والمشركون كفرة فجرة، أعمالهم في المساجد كلها كفر وتمرد على الله وعدوان، كيف يكون هذا يجتمع مع هذا ؟ ! لأن المساجد إنما بنيت لطاعة الله، وتؤسس على ما يرضي الله ( جل وعلا ) وهؤلاء كفرة أعمالهم كلها كفر وصد عن سبيل الله، فهذا من الشيء الذي لا يمكن أن يجتمع ؛ لأن فيه اجتماع النقيضين. وهذا معنى قوله : ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله [ التوبة : آية ١٧ ] وفي قراءة ابن كثير وأبي عمرو : يعمروا مسجد الله هو المسجد الحرام، مسجد مكة حرسها الله.
وقوله : شهدين على أنفسهم بالكفر هذا محل التناقض ؛ لأن عمارة المسجد الحرام فعل المطيعين والمتقربين إلى الله، كيف يفعلون هذا في وقت الحال التي هم شاهدون فيها على أنفسهم بالكفر ؟
وقوله : شهدين حال من واو الفاعل في قوله : يعمروا أي : يعمروها في حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر.
قال بعض العلماء ٣ : شهادتهم على أنفسهم بالكفر إنما هي بأفعالهم ؛ لأن من سجد ووضع جبهته للصنم فقد شهد على نفسه ونادى بأعظم الكفر وأفظعه. وعلى هذا في شهادة حال.
وقال بعض العلماء : هي شهادة مقال أيضا، فهم شاهدون بالحال والمقال. قالوا : يراد بذلك أنهم في تلبيتهم وطوافهم بالبيت في المسجد الحرام يقولون : لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك [ وقال بعض العلماء : شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن الكافر إذا قلت له : ما دينك ؟ فيقول :] ٤ النصراني نصراني، والصابىء صابئ، والمشرك يقول : مشرك ؛ لأنه يعبد مع الله غيره. والله ( جل وعلا ) ذكر مثل هذا من شهادتهم على أنفسهم في غير هذا الموضع كقوله : إن الإنسن لربه لكنود ( ٦ ) وإنه على ذلك لشهيد ( ٧ ) [ العاديات : الآيتان ٦، ٧ ] أي : الإنسان، وفيه الأقوال المذكورة هنا. وهذا معنى قوله : شهدين على أنفسهم بالكفر لأن عمارة مساجد الله هي من القربة والطاعة لله لا تمكن من أحد هو في حال وقت فعله إياها شاهد على نفسه بأنه كافر.
وعمارة المسجد الحرام تشمل أمرين :
أحدهما : العمارة الحسية، وهي مرمته وبناؤه وتزيين بنائه.
والثانية : عمارته المعنوية، وهي عبادة الله وطاعته فيه، واللائق بالكفار هنا هو الأول ؛ لأنهم كانوا يسدنون البيت وقد بنوه، كما قال زهير ٥ :
| وأقسمت بالبيت الذي طاف حوله | رجال بنوه من قريش وجرهم |
أولئك الكفرة الشاهدون على أنفسهم بالكفر حبطت أعمالهم ومنها عمارتهم للبيت الحرام ؛ لأن الكفر يحبط جميع الأعمال. ومعنى حبطت أعمالهم اضمحلت وكانت لا فائدة فيها ؛ لأن أفعال الكفار تضمحل ولا تنفعهم يوم القيامة ؛ لأن الله يقول : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلنه هباء منثورا ( ٢٣ ) ويقول تعالى : من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعملهم فيها وهم فيها لا يبخسون ( ١٥ ) أولئك الذين ليس لهم في الأخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وبطل ما كانوا يعملون ( ١٦ ) [ هود : الآيتان ١٥، ١٦ ] أما أفعال الكافر من قربه فإنها تنفعه في الدنيا ؛ لأن الكافر إذا أطاع الله في الدنيا مخلصا في طاعته لوجه الله كأن يبر والديه، ويصل الرحم، ويقري الضيق، وينفس عن المكروب، ويعين [ المظلوم ] ٦، فإذا فعل الكافر هذه القرب يقصد بها وجه الله فإن الله يعاوضه في الدنيا ويعطيه ثوابه في الدنيا من الصحة والرزق والمال، ولا شيء له يوم القيامة، كما دلت على هذا آيات من كتاب الله، كقوله : نوفي إليهم أعملهم فيها وهم فيها لا يبخسون ، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الأخرة من نصيب [ الشورى : آية ٢٠ ]. وثبت معناه في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه ٧. وهذا معنى قوله : أولئك حبطت أعملهم وفي النار هم خلدون [ التوبة : آية ١٧ ] النار – والعياذ بالله – هي دار الخزي التي أعد الله لأعدائه يوم القيامة. والألف التي بين النون والراء منقلبة عن واو، فأصلها من مادة الأجوف واوي العين، أصلها ( نور ) ولذا يقولون في النظر من بعيد إلى النار : تنورتها. فلو كانت يائية العين لقالوا : تنيرتها. قالوا واشتقاقها من : نارت الظبي. إذا ارتفعت جافلة ؛ لأن طبيعة النار الارتفاع ٨.
وهم فيها خلدون خلود الكفار في النار خلود أبدي سرمدي لا انقطاع له، كما قال تعالى : كلما خبت زدنهم سعيرا [ الإسراء : آية ٩٨ ]، فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ( ٣٠ ) [ النبأ : آية ٣٠ ]، لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون [ البقرة : آية ١٦٢ ].
ومعروف في هذا إيراد يورده الكفرة الملاحدة وأذنابهم ومن تعلق بهم يقولون : إن الله ( جل وعلا ) في غاية الحكمة والعدالة، وهو العدل الحكيم ( جل وعلا ) والكافر إنما عصى في الدنيا أياما معدودة، قالوا : فكيف يكون العمل في أيام معدودة والجزاء دائم لا ينقطع أبدا ؟ وأين الحكمة والإنصاف في هذا ؟ قبح الله من يقول هذا ! ! وهذا يتمسك به الملاحدة وأذناب الكفرة ٩.
والجواب عن هذا أن الكافر – قبحه الله – خبثه الذي ينطوي عليه الذي هو سبب كل ما جاءه من البلايا هو دائم أبدا لا يزول ولا ينقطع، فكان جزاؤه دائما لا يزول ولا ينقطع، والله ( جل وعلا ) يقول : ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم [ الأنفال : آية ٢١ ] ( خيرا ) نكرة في سياق الشرط وهي تعم، فلا يكون في قلوبهم خيرا أبدا في وقت ما كائنا ما كان. ومما يوضح ذلك : أنهم لما عاينوا النار، وشاهدوا الحقائق، وكشف الله بأن ما طبعوا عليه وما جبلوا عليه من الكفر لا يزول أبدا، صرح الله بأن ما طبعوا عليه وما جبلوا عليه من الكفر لا يزول أبدا، وأنه لو ردهم إلى الدنيا لرجعوا إلى كفرهم ؛ لأنهم منطوون عليه لا يفارقهم أبدا، كما قال : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكذبون [ الأنعام : آية ٢٨ ] فهذا يدل على أنهم لا ينفكون عن كفرهم، وأنهم دائمون عليه أبدا، فكان جزاؤه دائما عليهم أبدا، جزاء وفاقا، ولله ( جل وعلا ) الحكمة في كل ما يفعله، وهو الحكم العدل اللطيف الخبير. وهذا معنى قوله : وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون .
٢ السابق ص ٣١٢..
٣ في معنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر. انظر ابن جرير (١٤/ ١٦٥)، القرطبي (٨/ ٨٩)، ابن كثير (٢/ ٣٤٠)..
٤ في هذا الموضع وجد انقطاع في انقطاع في التسجيل. وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام.
انظر: ابن جرير (١٤/ ١٦٥)، ابن أبي حاتم (٦/ ١٧٦٥)، القرطبي (٨/ ٩٠)..
٥ مضى عند تفسير الآية (٧٢) من سورة الأعراف..
٦ في الأصل: "الظالم" وهو سبق لسان..
٧ تقدم تخريجه عند تفسير الآية (٤٢) من سورة الأعراف..
٨ مضى عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام..
٩ راجع هذه الشبهة والجواب عنها، عند تفسير الآية (١٢٨) من سورة الأنعام..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير