وهذا ما يؤكد الاطمئنان في قول الحق سبحانه وتعالى : لهم فيها نعيم مقيم ، وكلمة لهم أعطت شبه الملكية لهذا النعيم. ولذلك تملك الإنسان في هذه الدنيا، فهذا الامتلاك لا يتجاوز حدود أن يجلس ؛ ويقوم الخدم بتنفيذ أوامره ؛ لأن المتعة إما أن تكون بيدك، وإما أن تنعم بالراحة ويقدمها لك غيرك. وعلى سبيل المثال حين تريد أن تأكل، فإما أن تعد الطعام لنفسك، وإما أن يعده لك غيرك. ولا يوجد إنسان مهما أوتي من ملك بإمكانه أن يحقق كل ما يريده بيده. بل لابد من الالتجاء إلى مساعدة الآخرين. ولكن المؤمن في الجنة ينال ما يتمناه بمجرد أن يخطر الشيء بباله، وهذا يختلف عن الدنيا ؛ لأنك حين ترغب في شيء في دنيانا، لابد أن تقوم به بنفسك، أو تعتمد على غيرك ؛ لينفذه لك، حتى وإن كان ما تطلبه هو مجرد فنجان من القهوة، وأنت تحدد لصانعها الهيئة والنوع إن كنت تريدها بدون سكر، أو بقليل من السكر، أو بكثير من السكر، لأن كلا منا في الدنيا إنما يحيا مع أسباب الله. ولكن المؤمن في الجنة إنما يحيا مع المسبب وهو الله القادر العظيم.
وحين يقول المولى سبحانه وتعالى : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات فنحن نلحظ مقابلة الجمع بالجمع، وهي كما علمنا من قبل تقتضي القسمة آحادا، فإذا دخل الأستاذ الفصل وقال لتلاميذه : أخرجوا أقلامكم، فكل تلميذ لا يخرج أقلاما، بل يخرج كل تلميذ قلمه. وإذا قلنا : اركبوا سياراتكم فليس معنى هذا أن يركب كل واحد كل السيارات، ولكن معناه أن يركب كل واحد سيارته.
وقول الحق جنات ليس معناه أن يدخل كل مؤمن كل الجنات، ولكن المعنى والمقصود أن يدخل كل منهم جنته على حسب الأعمال التي اكتسبها والمنزلة التي وصل إليها١.
ومن المهم أن نعلم أن صاحب الجنة عالية المنزلة لن يتلقى حسدا من صاحب الجنة متوسطة المنزلة. وصاحب الجنة الدنيا لن يحسد من هو أعلى منه، وكذلك لن يزهو صاحب الجنة عالية المنزلة على غيره. وكل واحد منهم يفرح بمكانة الآخر. مثلما يحدث أحيانا في الدنيا حين يتفوق إنسان في دراسته فقد نجد من هو أقل درجة منه يفرح له بصفاء نفس، وكذلك لا يزهو متفوق بمكانته على الأدنى منه، وإذا كان ذلك هو ما يحدث في الدنيا، فما بالنا بالآخرة ؟ حيث يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ( ٤٧ ) ( الحجر )أي : أن كلا من أهل الجنة يفرح بمنزلته، ويفرح بمنزلة الأعلى منه ؛ لأنه سينال من فيوضات الخير، التي عند الأعلى منزلة. عندما يأتي لزيارته وقد قالوا في قول الحق سبحانه وتعالى :
ولمن خاف مقام ربه جنّتان( ٤٦ ) ( الرحمن )إن كل من علت منزلته في الجنة له جنة خاصة به، وجنة أخرى ليتكرم بها على من هم دونه، وكأنها مضيفة لمن يحبهم، إذن ففي الآخرة يفرح أهل الجنة بمن هم أعلى منهم، لأنهم سينالون منهم خيرا.
وفي الدنيا إذا أراد الإنسان أن ينال نعم كل الخلق، فلا بد أن يفرح بالنعمة عند صاحبها ؛ لأنه حين يفرح بالنعمة عند صاحبها أتت إليه واستفاد منها، وعلينا أن نوقن بأن النعمة تعشق صاحبها أكثر من عشق صاحبها لها، لأنها تعرف أن الله قد أرسلها إليه، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى :
تُؤْتي أكلها كلّ حين بإذن ربِّها ( إبراهيم : ٢٥ ).
وأنت حين تبذر بذرة الشجرة، تعطيك الشجرة الثمار، وهي التي تعطيك نتاجها. ولست أنت الذي تنتزعه منها، ولذلك نقول دائما : إن الرزق يعرف عنوانك جيدا ولكنك لا تعرف مكانه أبدا، فأنت تبحث عن الرزق في كل مكان وقد لا تجده. ولكن ما قسمه الله لك من الرزق تجده يسعى إليك ويأتيك حتما.
وأهل الجنة لا يعرفون الحقد ولا الحسد ولا الغل. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهم جالسون معه ذات يوم : " يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ".
ودخل الرجل وعرفه الصحابة، فأرادوا أن يعرفوا ماذا يعلمه هذا الصحابي حتى يستحق بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة. قالوا له : ونحن نريد أن نعرف ماذا تفعل لنكون معك. فقال الرجل : إني لأصلي كما تصلون وأصوم كما تصومون وأزكي كما تزكون. ولكني أبيت وليس في قلبي غل لأحد. فذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له : لقد قال الرجل كذا وكذا. فقال صلى الله عليه وسلم : " وهل فضلت الجنة على الدنيا إلا بهذا٢ ".
فالله سبحانه وتعالى يقول فيها :
ونزعنا ما في صدورهم من غلّ ( الحجر : ٤٧ )
٢ أخرجه أحمد في مسنده (٣/١٦٦) وابن المبارك في الزهد(٦٩٤) وعزاه الهيثمي في المجمع (٨/٧٩) لأحمد والبزار بنحوه. وقال"رجال أحمد رجال الصحيح". وليس فيه"وهل فضلت الجنة على الدنيا إلا بهذا". وقد تتبعه عبد الله بن عمرو ليستطيع عمله ثم قال له: لم أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هو إلا ما رأيت... غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق..
تفسير الشعراوي
الشعراوي