(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)
الخلود نعمة فوق نعمة الجنة ذاتها، فإن الإحساس بدوام النعمة نعمة، وليس في مقابل الدنيا الفانية، وأكد الله سبحانه وتعالى خلود الجنة ودوام نعيمهما
بقوله تعالى: (أَبَدًا) فهي دائمة لَا بقدر الدنيا، كما توهم بعض الذين لَا يدركودن حقائق نعم اللَّه، إنما هي باقية أبدا ما شاء الله تعالى أن تبقى.
وقد بين الله تعالى بعد ذلك أن عند الله تعالى ما هو أكبر من ذلك، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) والعبادة تحتمل أن عند الله جزاء آخر غير ما ذكر وتحتمل أن الله تعالى يبين أن ذلك أجر عظيم، وقد نكر أجر للدلالة على أنه أجر لا يحيط به عقل أهل الدنيا، ولذلك نرجح الاحتمال الأول وهو أن وراء الجنة وخلودها، ونعيمها أجرا أعظم من ذلك، مثل هذا تجليات الله على عباده يوم القيامة. إنه هو العزيز الرحيم.
* * *
الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم وآبائهم وأبنائهم
قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)
* * *
كان المؤمنون في أول الإسلام قلة، ولا يكون للقلة قوة إلا إذا تضامت وتوالت، وجعلت الولاية لأنفسهم دون غيرهم، ولذلك كانت الهجرة واجبة حتى تتجمع قوة الحق وتتآزر وتكون لها ولاية مستقلة عن ولاية أهل الشرك ومناصرتهم، والولاية هي النصرة والسلطان وأن تكون الموالاة لدولة مسلمة.
روى الزمخشري، عن ابن عباس أنه كان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا بأن يهاجر، ويصارم أقاربه الكفرة، ويقطع موالاتهم، فقالوا: يا رسول الله، إن نحن اعتزلنا من خالفنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وهلكت أموالنا، وخربت ديارنا، ولقينا ضائقة. فنزلت الآية. وإن صحت هذه الرواية فإن الآية يكون المخاطب بها الذين آمنوا أولا ثم هاجروا، ولكن مع ذلك فحكم الآية عام؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لَا بخصوصِ السبب، ولقد قال الله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨).
ولقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ...)، اللهم إنا برآء ممن
جعل نصرته عندهم، فإنه منهم.
ولقد روى أن النبي - ﷺ - قال " لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله، حتى يحب في الله أبعد الناس، ويبغض في الله أقرب الناس إليه " (١).
ولقد قال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢).
________
(١) ذكره أبو السعود في تفسيره: ج ٤، ص ٥٤، والزمخشري في الكشاف: ج ٢، ص ١٨١، برقم (٤٥٣).
وفى الآية الكريمة إشارات بيانية بليغة:
الأولى: قد اقتصر الله تعالى في الآية على الآباء والإخوان، ولم يذكر الأبناء، لأن الآباء والإخوة تكون منهم النصرة، والاعتزاز، أما الأبناء فإنهم تبع لآبائهم؛ ولأنه لَا تأثير للأبناء على آبائهم، ولأنه يندر من كان يسلم، وأبناؤه مستمرون على الكفر؛ لأن تأثير الآباء على الأبناء يمنع من أن يتغذوا بلبان الشرك، ومن النادر إيمان أبي بكر، وبعض ولده مشرك حتى اشترك في غزوة بدر مع المشركين.
الثانية - في قوله تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة