ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

٢٦٤- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى : هُوَ اَلذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ اِلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« إذا هلك كسرى١ فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر٢ فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله »٣.
قال الشافعي : لما أُتِيَ كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مزقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« يمزق ملكه »٤.
قال الشافعي : وحفظنا أن قيصر أكرم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ووضعه في مسك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
« يثبت ملكه »٥.
قال الشافعي : ووعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فتح فارس والشام٦. فأغزى أبو بكر الشام على ثقة من فتحها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح بعضها، وتم فتحها في زمان عمر وفتح العراق وفارس٧.
قال الشافعي : فقد أظهر الله عز وجل دينه الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم على الأديان، بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق، وما خالفه من الأديان باطل، وأظهره بأن جماع الشرك دينان : دين أهل الكتاب، ودين الأميين. فقهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها، وقتل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعض الجزية صاغرين، وجرى عليهم حكمه صلى الله عليه وسلم وهذا ظهور الدين كله.
قال : وقد يقال : ليظهرن الله عز وجل دينه على الأديان حتى لا يدان لله عز وجل إلا به، وذلك متى شاء الله تبارك وتعالى.
قال الشافعي : وكانت قريش تنتاب٨ الشام انتيابا كثيرا مع معايشها منه، وتأتي العراق.
قال : فلما دخلت في الإسلام ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم خوفها من انقطاع معايشها بالتجارة من الشام والعراق إذا فارقت الكفر ودخلت في الإسلام مع خلاف ملك الشام والعراق لأهل الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :« إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ».
قال الشافعي : لم يكن بأرض العراق كسرى بعده ثبت له أمر بعده، قال :« وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده » فلم يكن بأرض الشام قيصر بعده، وأجابهم على ما قالوا له، وكان كما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطع الله الأكاسرة عن العراق وفارس، وقيصر ومن قام بالأمر بعده عن الشام.
قال الشافعي : قال النبي صلى الله عليه وسلم في كسرى :« يمزق ملكه » فلم يبق للأكاسرة ملك.
قال الشافعي رحمه الله تعالى : وقال في قيصر :« يثبت ملكه » فثبت له ملك ببلاد الروم إلى اليوم، وتنحى ملكه عن الشام، وكل هذا أمر يصدقُ بعضه بعضا.
ـــــــــــــــــــــــــــ
٢٦٤- الأم : ٤/١٧١. ون أحكام الشافعي : ٢/٤٩-٥٠. ومختصر المزني ص : ٢٧٦. والسنن الكبرى : ٩/١٨١ و ٩/١٧٩.

١ - كسرى: لقب ملك الفرس..
٢ - قيصر: لقب ملك الروم..
٣ - رواه البخاري في بلفظ مغاير في الجهاد (٦٠) باب: الحرب خدعة (١٥٤)(ر٢٨٦٤). وفي الخمس (٦١) باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: « أحلت لكم الغنائم » (٨)(ر٢٩٥٢ و ٢٩٥٣). وفي المناقب: (٦٥) باب: علامات النبوة في الإسلام (٢٢)(ر٣٤٢٢ و ٣٤٢٣). وفي الأيمان والنذر (٨٦) باب: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم (٢)(ر٦٢٥٤ و ٦٢٥٥).
ورواه مسلم بنحوه في الفتن وأشراط الساعة (٥٢) باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل (١٨)(ر٢٩١٨).
ورواه الترمذي، وأحمد، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٦٧٣)..

٤ - أخرج البخاري في العلم (٣) باب: ما يذكر في المناولة (٧)(ر٦٤) عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلا، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق.
ورواه كذلك في الجهاد باب: دعوت اليهود والنصارى. وفي المغازي باب: كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر. وفي التمني باب: ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل.
ورواه البيهقي في كتاب السير باب: إظهار النبي صلى الله عليه وسلم على الأديان ٩/١٧٧ عن الشافعي..

٥ - رواه البيهقي في كتاب السير باب: إظهار دين النبي صلى الله عليه وسلم على الأديان ٩/١٧٧ عن الشافعي..
٦ - روى البيهقي في كتاب السير باب: بيان النية التي يقاتل عليها ٩/١٦٩ عن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه قال: «... ليفتحن لكم الشام ثم لتقسمن كنوز فارس والروم... » الحديث. ورواه في باب: إظهار دين النبي صلى الله عليه وسلم على الأديان ٩/١٧٩.
وروى البخاري في فضائل المدينة (٣٥) باب: من رغب عن المدينة (٥)(ر١٧٧٦) عن سفيان ابن أبي زهير رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح اليمن والشام والعراق..

٧ - روى البيهقي في كتاب السير باب: إظهار دين النبي صلى الله عليه وسلم على الأديان ٩/١٧٩-١٨٠ عن محمد ابن إسحاق في قصة خالد بن الوليد حين فرغ من اليمامة قال: فكتب أبو بكر إلى خالد ابن الوليد والذين معه من المهاجرين والأنصار وهو باليمامة، وفيها: «... ألا وقد أمرت خالد بن الوليد بالمسير إلى العراق فلا يبرحها حتى يأتيه أمري، فسيروا معه ولا تثاقلوا عنه.. » قال البيهقي: ثم بين في التواريخ ورود كتابه عليه بالسير إلى الشام، وإمداد من بها من أمراء الأجناد وما كان من الظفر للمسلمين يوم أجنادين في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وما كان من خروج هرقل متوجها نحو الروم، وما كان من الفتوح بها وبالعراق وبأرض فارس وهلاك كسرى وحمل كنوزه إلى المدينة في أيام عمر رضي الله عنه..
٨ - انتاب الرجل القوم انتيابا: إذا قصدهم وأتاهم مرة بعد مرة، وهو ينتابهم. اللسان: نوب..

تفسير الشافعي

عرض الكتاب
المؤلف

الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير