ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ( ٣٠ ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون( ٣١ ) يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ( ٣٢ ) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون( ٣٣ )
تقدم في الآية ٢٩ السابقة لهذه الآيات أن أهل الكتاب المراد بهم اليهود والنصارى لا يؤمنون بالله تعالى على الوجه الحق الذي جاءت به رسله من توحيد وتنزيه لذاته وصفاته، ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح من أن الناس يبعثون بشرا كما كانوا في الدنيا- أي أجسادا وأرواحاً- وأنهم يجزون بإيمانهم وأعمالهم، وعليها مدار سعادتهم وشقائهم، لا على أشخاص الأنبياء والصديقين، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله إلى كل منهم إيمانا وإذعانا وعملا، ولا يدينون دين الحق. أي إنما يتبعون تقاليد وجدوا عليها آباءهم وأحبارهم ورهبانهم، فلما بين تعالى هذا في سياق قتالهم وما ينتهي به إذا لم يؤمنوا بما جاء رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم- وهو أداء الجزية بشرطها - عطف عليه ما يبين مبهمه، ويفصل مجمله، ويبين غايته، وهو هذه الآيات الأربع.
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق هذا بيان مستأنف للمراد من إتمام نور الله عزََّ وجلَّ، وهو أن الله الذي كفل إتمام هذا النور هو الذي أرسل رسوله الأكمل الذي أخذ العهد على النبيين من قبل ( ليؤمنن به ولينصرنه ) إن جاء في زمن أحد منهم، أرسله بالهدى الأتم الأكمل الأعم الأشمل، ودين الحق أي الثابت المتحقق الذي لا ينسخه دين آخر ولا يبطله شيء آخر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [ فصلت : ٤٢ ] وهو في مقابلة قوله في أهل الكتاب الذي ذكر في أول هذا السياق ولا يدينون دين الحق [ التوبة : ٢٩ ] ؛ لأنهم أضاعوا حظاً عظيماً من كتب أنبيائهم ومواعظهم، وحرفوا الباقي منها فلم يقيموه على وجهه، بل استبدلوا به تقاليد وضعها لهم الرؤساء بأهوائهم، كما تقدم شرحه في هذا السياق. فعلم بهذا أن المراد بالحق الأمر الثابت المتحقق، وأن إضافة الدين إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة، كمسجد الجامع، وفيه وجه آخر صحيح يجامعه ولا يباينه وهو أن معناه دين الله المحض الذي لا شائبة فيه كالشوائب التي عرضت للأديان السابقة ولما بقي من كتبها. وكلمة الحق من أسماء الله تعالى كما قال : فذلكم الله ربكم الحق [ يونس : ٣٢ ].
ومن المعلوم عند جميع علماء التاريخ العام -ولا سيما تاريخ الأديان- أنه لا يوجد دين منقول عمن جاء به من رسل الله تعالى أو من غيرهم نقلاً صحيحاً متواتراً بالقول والفعل متصل الأسانيد إلا دين الإسلام. وقد ذكرنا في الفصل الذي عقدناه لإثبات ضياع كثير من الإنجيل وتحريف النصارى لكتبهم المقدسة في آخر تفسير ( ٥ : ١٥ ) من سورة المائدة أن فيلسوفا هنديا درس تواريخ الأديان كلها، وبحث فيها بحث حكيم منصف لا يريد إلا استبانة الحق، وأطال البحث في النصرانية لما للدول المنسوبة إليها من الملك وسعة السلطان، ونظر بعد ذلك كله في الإسلام، فكانت غاية ذلك الدرس أن عرف بالبرهان أن الإسلام هو الدين الحق، فأسلم وألف كتابا باللغة الإنكليزية عنوانه ( لماذا أسلمت )، أظهر فيه مزاياه على جميع الأديان وكان من أهمها عنده أنه هو الدين الوحيد الذي له تاريخ ثابت محفوظ... وكان من مثار العجب عنده أن ترضى أوروبا لنفسها ديناً ترفع من تنسبه إليه عن مرتبة البشر فتجعله إلهاً وهي لا تعرف من تاريخه شيئاً يعتد به...
ثم بين غاية إرسال خاتم النبيين والمرسلين بدين الحق أو علته بقوله : ليظهره على الدين كله يقال أظهر الشيء : أوضحه وأبانه فجعله ظاهرا لا خفاء فيه، وأظهر فلانا على الشيء أو على الخبر : أطلعه عليه وأخبره به. ومنه قوله تعالى : فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول [ الجن : ٢٧ ]، وقوله : وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه [ التحريم : ٣ ] الخ. وأظهره على الشيء أو على الشخص جعله فوقه مستعلياً عليه. والاستعلاء هنا بالعلم والحجة، أو السيادة والغلبة، أو الشرف والمنزلة، أو بها كلها، وهو المختار، وإن كان الوعد يصدق ببعضها، والدين جنس يشمل كل دين.
وفي الضمير المنصوب هنا قولان : أحدهما : أنه للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه، والمعنى حينئذ أنه تعالى يظهر هذا الرسول على كل ما يحتاج إليه المرسل هو إليهم من أمور الدين : عقائده وآدابه، وسياسته وأحكامه، لأن ما أرسله به هو الدين الأخير الذي لا يحتاج البشر بعده إلى زيادة في الهداية الدينية. بل يوكلون فيما وراء نصوصه إلى اجتهادهم واختبارهم العلمي والعملي مع الاهتداء بها، حتى لا يضلوا ولا يتفرقوا بتركها. ونحن نعلم من كتب الأديان وتاريخهم أنها ليست كذلك ؛ بل لا تعدو كتب كل منها حاجة المخاطبين بها من قوم رسولها، فاليهودية دين شعب نسبي أراد الله تربيتهم بشريعة شديدة التضييق عليهم لتطهيرهم من الوثنية وعبادة البشر، ليقيموا التوحيد في بلاد مباركة استحوذ عليها الشرك، وقد كان ذلك زمناً ما، ثم فسدوا وصار أكثرهم وثنيين ماديين، فبعث الله إليهم المسيح عليه السلام بتعاليم شديدة المبالغة في الزهد ومقاومة المفاسد المادية، وكبح جماح الشهوات الجسدية، فكان له ما كان من التأثير فيهم وفي الروم وغيرهم زمنا ما، ولكن غلا بعضهم في الزهد وعرض لهم فيه الغرور مع الجهل، وعاد الأكثرون إلى الإسراف في الشهوات والعلو في الأرض. وكان هذا بعد ذلك تمهيدا للدين التام الوسط الجامع بين المصالح المادية والمعنوية، والمزايا الروحية والجسدية، ليكون عاماً للبشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهذه النصرانية التي يدعي أهلها أنها دين عام بالرغم مما في أناجيلها من قول المسيح لهم أنه لم يرسل ولم يرسلهم إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، يعترفون بأنه قال :«مت ٥ : ١٧ لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل » الخ، ونقلوا عنه أيضا أنه مع هذا قال :« يو ١٦ : ١٢ إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكنكم لا تستطيعون أن تحتملوا الآن* وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية » الخ.
وهذا لا يصدق ولا يمكن تأويله إلا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي أخبرهم وأخبر غيرهم بكل شيء من أمر الدين ما فرطنا في الكتاب من شيء [ الأنعام : ٣٨ ]، وإنما أخبر عن الله عزَّ وجلَّ لا من عند نفسه وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [ النجم : ٣، ٤ ]، وأخبرهم بأمور آتية كثيرة جدا صريحة بعضها في القرآن، وأظهرها غلب الروم الفرس في مدى بضع سنين، وبعضها في الأحاديث الصحيحة، ومن المتواتر منها قوله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر :( تقتلك الفئة الباغية )١، وفي روايات بالغيبة، أي قال هذا له ولغيره، وقوله على المنبر في الحسن عليه السلام :( ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين )٢، وإخباره فاطمة عليها السلام بموته، وبأنها أول من يلحق به، وإخباره بموت النجاشي يوم موته وصلاته عليه الخ الخ. ولا يزال الزمان يظهر صدقه في كل ما أخبر به في وقته، وقد مجد المسيح صلوات الله وسلامه عليهما بنفي طعن اليهود فيه وفي أمه، وإثبات كونه ولد طاهرا من الدنس بكلمة الله، وكونه من روح الله، ومؤيداً بآيات الله. وبينا كل ذلك في تفسير الآيات الواردة فيه، وقد سماه المسيح باسمه الدال على الحمد الكثير ( أحمد )، ومثله محمد، وهو في نسخ الإنجيل اليونانية والعربية القديمة البارقليط، ثم غيروه في التراجم الأخيرة فسموه المعزي، كما فصلنا ذلك في تفسير سورة الأعراف.
والوجه الثاني : أن الضمير لدين الحق الذي أرسل به صلى الله عليه وسلم، ومعناه أنه تعالى يعلي هذا الدين ويرفع شأنه على جميع الأديان بالحجة والبرهان، والهداية والعرفان، والعلم والعمران، وكذا السيادة والسلطان ( كما قلنا آنفا )، ولم يكن لدين من الأديان مثل هذا التأثير الروحي والعقلي والمادي والاجتماعي والسياسي إلا للإسلام وحده.
لا ننكر أن جميع أتباع الأنبياء قد صلحت حالهم باهتداء كل منهم بنبيهم مدة اهتدائهم به، ولكن التاريخ لم يرو لنا أنه كان لدين من الأديان كل هذه الفوائد بتأثيره فيهم.
أما ظهور الإسلام بالحجة والبرهان، فلا يختلف فيه عاقلان مستقلان، عرفاه وعرفا غيره من الأديان، وقد ذكرنا في هذا السياق بعض الشواهد عن هذا من كلام علماء الإفرنج المستقلين، وأشرنا إلى غير ما ذكرناه منها مما يمكن لمقتني مجلدات مجلة المنار أن يراجعوه في أكثرها بالاستعانة بالفهرس العام، ولا سيما لفظ الإسلام.
وأما ظهوره عليها بالعلم والعمران، والسيادة والسلطان، فالذي يتراءى للناس بادي الرأي في هذا الزمان أنه معارض بما عليه دول الإفرنج واليابان، وضعف ما بقي من دول الإسلام، وأنه إنما يظهر وجهه في دول العرب الأولى، وكذا دولة الترك في أول عهدها.
ونجيب عن ذلك بأن ما عليه دول الإفرنج واليابان وشعوبهما ليس من تأثير أديانهما في تعاليمها ولا في العمل بها، ولو كان كذلك لظهر عقب وجود الدين فيهم وأخذهم به. وقد نقلنا في هذا السياق عن علماء الإفرنج الأحرار المستقلين أن مدنيتهم الحاضرة، وما بنيت عليه من العلوم والفنون، لم يكن إلا من تأثير الحضارة الإسلامية والاقتباس من كتبها، ومن المعلوم لكل ملم بالتاريخ الحديث أن اليابان اقتبست حضارتها وقوتها من أوروبا في القرن الماضي، وحضارة العرب لا يمكن أن يكون لها سبب إلا هداية دينهم.
وقد قصر جميع المفسرين الذين اطلعنا على كتبهم في تفسير هذه الآيات ؛ لأنهم إنما يأخذون تفاسيرهم من معاني الألفاظ دون تحقيق لمدلولاتها في الخارج، ومن الروايات المأثورة على قلتها وقلة ما يصح منها، وقد صح في بعضها قوله صلى الله عليه وسلم :( إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها )٣، وهو حديث طويل رواه مسلم من حديث ثوبان، وفي مسند أحمد عن شاب من محارب مرفوعاً :( أنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها )٤، وهو مطلق غير مقيد بما زوي له صلى الله عليه وسلم وأطلعه الله عليه من الأرض، ومن علماء الأصول من يوجب حمل المطلق على المقيد، وفي بعضها تعيين مصر، وأوصى بالقبط خيراً والشام وملك كسرى وقيصر وكل هذا قديم. فإن كان شيء مما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سيفتح للمسلمين ولما يفتح فلا بد أن يفتح.
روى الإمام أحمد عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( ياعدي أسلم تسلم ). قلت : إني من أهل دين، قال :( أنا أعلم بدينك منك ). فقلت : أنت أعلم بديني مني ؟ قال :( نعم. ألست من الركوسية٥، وأنت تأكل مرباع٦ قومك ؟ قلت : بلى، قال : فإن هذا لا يحل لك في دينك ). قال : فلم يعدُ أن قالها فتواضعت لها. قال :( أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام : تقول إنما اتبعه ضعفة الناس، ومن لا قوة له، وقد رمتهم العرب. ( أتعرف الحيرة ؟ قلت : لم أرها، ولكن سمعت بها. قال :( فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز ). قلت : كسرى بن هرمز ؟ قال :( نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد ). قال عدي : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد٧. ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز. والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالها٨. اه من تفسير العماد ابن كثير.
ومن العلماء من يقول إن بعض هذه البشارات لا يتم إلا في آخر الزمان عند ظهور المهدي، وما يتلوه من نزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء، وإقامته لدين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وإظهاره بالحكم والعمل به، خلافا لما يتوقعه اليهود والنصارى على اختلافهما في صفته. وقد كان شيوع هذا بين المسلمين من أسباب تقاعدهم عما أوجبه الله تعالى في كل وقت من إعلاء دينه وإقامة حجته، وحماية دعوته، وتنفيذ شريعته، وتعزيز سلطته، اتكالا على أمور غيبية مستقبلة، لا تسقط عنهم فريضة حاضرة، وقد تقدم في الكلام على أشراط الساعة من تفسير سورة الأعراف أن أحاديث المهدي لا يصح منها شيء يحت

١ ـ روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الصلاة باب ٦٣، ومسلم في الفتن حديث ٧٠، ٧٢، ٧٣، والترمذي في المناقب باب ٣٤، وأحمد في المسند ٢/ ١٦١، ١٦٤، ٢٠٦، ٣/ ٥، ٢٢، ٢٨، ٩١، ٤/ ١٩٧، ١٩٩، ٥/ ٢١٥، ٣٠٦، ٣٠٧، ٦/ ٢٨٩، ٣٠٠، ٣١١، ٣١٥..
٢ ـ أخرجه البخاري في الفتن باب ٢٠، والصلح باب ٩، وفضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب ٧٢٢، والمناقب باب ٢٥، وأبو داود في السنة باب ١٢، والترمذي في المناقب باب ٢٥، النسائي في الجمعة باب ٢٧، وأحمد في المسند ٥/ ٣٨، ٤٤، ٤٩، ٥١..
٣ ـ أخرجه مسلم في الفتن حديث ١٩، وأبو داود في الفتن باب ١، والترمذي في الفتن باب ١٤، وابن ماجه في الفتن باب ٩، وأحمد في المسند ٤/ ١٢٣، ٥/ ٢٧٨، ٢٨٤..
٤ ـ المسند ٥/ ٢٧٨، ٢٨٤..
٥ ـ الركوسية، بالفتح: أهل دين بين الصابئين والنصارى، وقال ابن الأعرابي هو نعت للنصارى..
٦ ـ المرباع: ما كان يأخذه رئيس القوم وعصبته منهم أو من غنائمهم، وهو من عادات الجاهلية..
٧ ـ أي من غير حماية أحد لها في طريقها..
٨ ـ أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٧٨، ٣٧٩..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير