قوله : إلا تنفروا هي ( إن ) الشرطية أدغمت في ( لا ) يعني : إلا تنفروا، إن لم تمتثلوا أمر الله وتنفروا لجهاد أعداء الله وإعلاء كلمته فإن ذلك ضرره عليكم لا على الله ولا على رسوله.
وهذه الآية فيها سر عظيم يعلم به الإنسان أن كل ما يفعله إنما أثره راجع إلى نفسه، فإن كان شرا فهو يجني شرا على نفسه، وإن كان خيرا فهو يجلب الخير لنفسه إن أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها [ الإسراء : آية ٧ ]. فعلى كل عاقل في دار الدنيا أن يعتبر بمعنى هذه الآية وما في معناها من الآيات، وهو أن ما يفعله الإنسان لا يجنيه إلا هو، وأن حركات الإنسان في دار الدنيا يبني بها مسكنه الذي يصل إليه ويخلد فيه خلودا أبديا يوم القيامة، فهذه الحركات والسكنات في دار الدنيا يظن الجاهل أنها أمور لا طائل تحتها، ولا يلزم الاحتياط والنظر الدقيق فيها، وهذا من أشنع الغلط ؛ لأن حركات الإنسان في دار الدنيا مقبلا ومدبرا، ذاهبا وجائيا، متصرفا هنا وهنا، كله يبني منزله ومقره النهائي، إما أن يبني بذلك غرفة من غرف الجنة يخلد فيها، أو يبني به سجنا من سجون جهنم، هذا هو الواقع، فعلى كل مسلم أن ينظر في أقواله وأفعاله، فيعلم أنه ينفع بالطيب منها نفسه، ويضر بالخبيث منها نفسه، ليحاسب فيجتنب الخبيث ويجتلب الطيب، وهذا معنى قوله : إلا تنفروا إلا تمتثلوا أمر الله ورسوله بالنفر إلى الأعداء لجهاد أعداء الله، وإعلاء كلمة الله، ونصر دين الله يعذبكم عذابا أليما أنتم الذين تنالون الضر من ذلك يعذبكم عذابا أليما الظاهر أن هذا العذاب شامل لعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، لأن التكاسل عن مقاومة الأعداء في دار الدنيا من أسباب عذاب الدنيا ؛ لأنه يضعف المسلمين ويقوي أعدائهم في قعر بيوتهم كما هو واقع الآن، لأن المسلمين، أو من يتسمون باسم المسلمين معذبون في أقطار الدنيا من جهة الكفرة، يضطهدونهم، ويظلمونهم، ويقتلونهم، ويتحكمون في خيرات بلادهم، وهذا كله من أنواع عذاب الدنيا لتركهم الجهاد وإعلاء كلمة الله ( جل وعلا )، وما ذكره غير واحد عن ابن عباس من أنه قال : إن هذه الآية نزلت في بعض قبائل العرب، استنفرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو فامتنعوا، فمنع الله عنهم المطر، وأضرهم بالقحط (١). هذا قد يدخل في الآية في الجملة، ولا يمكن أن يكون معناها ؛ لأن الله يقول : يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا . فهذا يدل على أن المراد به ليس حبس المطر، وإن كان حبس المطر من أنواع العذاب التي تسببها مخالفة الله ( جل وعلا ) ؛ لأن مخالفة الله وعدم القيام بأمره ونهيه هي سبب كل البلايا كما قال تعالى : وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ( ٣٠ ) [ الشورى : آية ٣٠ ].
يعذبكم عذابا أليما الأليم : معناه الموجع الذي يجد صاحبه شدة ألمه ووجعه، والتحقيق هو ما قدمناه مرارا (٢) : أن الأليم بمعنى المؤلم، وأن ( الفعيل ) يأتي في لغة العرب بمعنى ( المفعل ). فما ذكره بعضهم عن الأصمعي من أن ( الفعيل ) لا يكون بمعنى ( المفعل ) وعليه أراد بعضهم أن يفسر الأليم بأنه يؤلم به أو يحصل بسببه ألم، فكله خلاف التحقيق، والتحقيق أن من أساليب اللغة العربية إطلاقهم ( الفعيل ) وإرادة ( المفعل ) وهذا معروف في كلامهم، ومنه بديع السموت [ الأنعام : آية ١٠١ ] أي : مبدعها، إني لكم نذير [ هود : آية ٢٥ ] أي : منذر لكم، ونظيره من كلام العرب قول غيلان بن عقبة المعروف بذي الرمة (٣) :
ويرفع من صدور شمردلات يصك وجوهها وهج أليم
أي : مؤلم، وقول عمرو بن معد يكرب الزبيدي (٤) :
أمن ريحانه الداعي السميع يؤرقني وأصحابه هجوع
فقوله : " الداعي السميع " يعني : الداعي المسمع، وقول عمرو بن معد يكرب أيضا (٥) :
وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع
أي : موجع. وهذا هو الصحيح.
ويستبدل قوما غيركم أكثر الله ( جل وعلا ) في القرآن من ذكره الموجودين إذا لم يطيعوه ويمتثلوا أمره فهو غني عنهم قادر على إذهابهم وإزالتهم بالكلية والإتيان بمن يخلفهم، بل من يكون خيرا منهم، وقد قدمنا هذا مرارا وسيأتي أيضا، فمن الآيات التي بين بها هذا قوله تعالى من سورة النساء : إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بئاخرين وكان الله على ذلك قديرا ( ١٣٣ ) [ النساء : آية ١٣٣ ] وقوله في الأنعام : وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين ( ١٣٣ ) [ الأنعام : آية ١٣٣ ] وقوله تعالى : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ( ١٩ ) وما ذلك على الله بعزيز ( ٢٠ ) } [ إبراهيم : الآيتان ١٩، ٢٠ ]. وقوله في سورة القتال : والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثلكم [ محمد : آية ٣٨ ] من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه [ المائدة : آية ٥٤ ] أي : بدلا من هؤلاء المرتدين، وهذا معنى قوله : ويستبدل قوما غيركم [ التوبة : آية ٣٩ ] أي : يأتي بقوم يجعلهم بدلكم خيرا منكم، إذا استنفروا نفروا، ولا يؤثرون الحياة الدنيا على الأخرة، كما دلت عليه هذه الآيات المذكورة، وهذا معنى قوله : يستبدل قوما غيركم .
وقد ذكرنا مرارا (٦)، أن لفظة ( القوم ) اسم جمع لا واحد له من لفظه، يطلق في اللغة العربية الإطلاق الأول على الذكور خاصة دون النساء ؛ لأنه وضع للذكور خاصة، وربما دخلت فيه النساء بحكم التبع إذا دل على ذلك قرينة، أما الدليل على أن القوم اسم جمع خاص بالرجال، في أصل وضعه : قوله تعالى : لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم [ الحجرات : آية ١١ ] ثم قال : ولا نساء من نساء فعطفه النساء على القوم يدل على عدم دخولهن في اسم القوم، ونظيره من كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى (٧) :
وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء
فعطف النساء على القوم، وربما دخلت النساء في اسم القوم بحكم التبع إذا دلت على ذلك قرينة خارجية، ومنه قوله تعالى في سورة النمل : وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كفرين ( ٤٣ ) [ النمل : آية ٤٣ ].
وقوله : ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا قال بعض العلماء : الضمير المنصوب في " تضروه " عائد إلى الله، أي : لا تضروا الله شيئا بعدم امتثالكم أمره ولا سعيكم في إعلاء كلمته (٨). وهذا الوجه هو الذي يشهد له القرآن كقوله ( جل وعلا ) : إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا [ محمد : آية ٣٢ ] وتدل على هذا الآيات القرآنية الكثيرة أن الله غني عن خلقه الذين يدعوهم لطاعته، فإنما يدعوهم لنفعهم، فامتثالهم نفعه لهم، وتمردهم ضرره عليهم، كما قال تعالى : فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد [ التغابن : آية ٦ ]، إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد [ إبراهيم : آية ٨ ]، إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر [ الزمر : آية ٧ ] إلى غير ذلك من الآيات.
وقال بعض العلماء : الضمير المنصوب عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم (٩)، أي : لا تضروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ لأن الله تكفل له بنصره، كما يأتي في قوله : إلا تنصروه فقد نصره الله... الآية [ التوبة : آية ٤٠ ] وقوله تعالى : والله على كل شيء قدير [ التوبة : آية ٣٩ ] معناه : أنه ( جل وعلا ) قادر على كل شيء، فهو قادر على ما شاء، وقادر أيضا على هداية أبي بكر الصديق، وقادر على هداية أبي لهب، لا شك أنه قادر على الأمرين، وقد أراد أحد المقدورين، وهو هداية أبي بكر، لا يتعاصى عليه شيء، يقول للشيء كن فيكون، خلقه لجميع البشر كخلقه لنفس واحدة ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة [ لقمان : آية ٢٨ ] لأنه ( جل وعلا ) لا يتعاصى على قدرته شيء سبحانه ( جل وعلا ).
٢ مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة الأعراف..
٣ السابق..
٤ مضى عند تفسير الآية (٧٣) من سورة الأعراف..
٥ السابق..
٦ مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأنعام..
٧ السابق..
٨ انظر: القرطبي (٨/ ١٤٢)، ابن كثير (٢/ ٣٥٨)..
٩ انظر: القرطبي (٨/ ١٤٢)..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير