قوله : إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ هذا تهديد شديد، ووعيد موكد لمن ترك النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً أي : يهلككم بعذاب شديد مؤلم، قيل : في الدنيا فقط، وقيل : هو أعم من ذلك. قوله : وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ أي : يجعل لرسله بدلاً منكم ممن لا يتباطأ عند حاجتهم إليهم.
واختلف في هؤلاء القوم من هم ؟ فقيل أهل اليمن، وقيل أهل فارس، ولا وجه للتعيين بدون دليل. قوله : وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا معطوف على يَسْتَبْدِلْ ، والضمير قيل : لله، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم : أي ولا تضرّوا الله بترك امتثال أمره بالنفير شيئاً، أو لا تضرّوا رسول الله بترك نصره والنفير معه شيئاً والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ومن جملة مقدوراته تعذيبكم والاستبدال بكم.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر في تاريخه، عن ابن عباس، في قوله : فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ قال : على أبي بكر لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تزل معه السكينة. وأخرج ابن مردويه، عن أنس، قال : دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر غار حراء، فقال أبو بكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم : لو أن أحدهم يبصر موضع قدمه لأبصرني وإياك، فقال صلى الله عليه وسلم :«ما ظنك باثنين الله ثالثهما يا أبا بكر ؟ إن الله أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود لم يروها» وأخرج الخطيب في تاريخه، عن حبيب بن أبي ثابت فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ قال : على أبي بكر، فأما النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقد كانت عليه السكينة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس، في قوله : وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى قال : هي الشرك بالله : وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا قال : لا إله إلا الله.
وأخرج الفريابي، وأبو الشيخ، عن أبي الضحى قال : أوّل ما أنزل من براءة : فانفروا خِفَافًا وَثِقَالاً ثم نزل أوّلها وآخرها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي مالك، نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله : خِفَافًا وَثِقَالاً قال : نشاطاً وغير نشاط. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحكم في الآية قال : مشاغيل وغير مشاغيل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال : في العسر واليسر. وأخرج ابن المنذر، عن زيد ابن أسلم، قال : فتياناً وكهولاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن عكرمة، قال : شباباً وشيوخاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال : قالوا : إن فينا الثقيل، وذا الحاجة، والضيعة، والشغل فأنزل الله : انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً، وعلى ما كان منهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ قال : جاء رجل زعموا أنه المقداد، وكان عظيماً سميناً، فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى، فنزلت : انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً فلما نزلت هذه الآية اشتدّ على الناس شأنها فنسخها الله، فقال : لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى الآية.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له : ألا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب ابنة عظيم الروم ؟ فقال رجلان : قد علمت يا رسول الله، أن النساء فتنة فلا تفتنا بهنّ فأذن لنا، فأذن لهما، فلما انطلقنا قال أحدهما : إن هو إلا شحمة لأوّل آكل، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه شيء في ذلك، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المناة لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ ونزل عليه : عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ونزل عليه : إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ونزل عليه :
إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ . وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس : لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا قال : غنيمة قريبة، ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة قال : المسير. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في قوله : والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون قال : لقد كانوا يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم، وزهادة في الجهاد.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني