ﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

الِاسْتِفْهَامِ. وَالْمَعْنَى: وُجُودُ الْبَوْنِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي عَاقِبَةِ الْحَرْبِ فِي حَالَيِ الْغَلَبَةِ وَالْهَزِيمَةِ.
وَجُعِلَتْ جُمْلَةُ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ اسْمِيَّةً فَلَمْ يَقُلْ وَنَتَرَبَّصُ بِكُمْ بِخِلَافِ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا: لِإِفَادَةِ تَقْوِيَةِ التَّرَبُّصِ، وَكِنَايَةً عَنْ تَقْوِيَةِ حُصُولِ الْمُتَرَبِّصِ لِأَنَّ تَقْوِيَةَ التَّرَبُّصِ تُفِيدُ قُوَّةَ الرَّجَاءِ فِي حُصُولِ الْمُتَرَبِّصِ فَتُفِيدُ قُوَّةَ حُصُولِهِ وَهُوَ الْمُكْنَى عَنْهُ.
وَتَفَرَّعَ عَلَى جُمْلَةِ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا جُمْلَةُ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ تَرَبُّصُ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مُسْفِرًا عَنْ إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ كَانَ فَرِيقُ الْمُؤْمِنِينَ أَرْضَى الْفَرِيقَيْنِ بِالْمُتَرَبِّصِينَ لِأَنَّ فِيهِمَا نَفْعَهُ وَضَرَّ عَدُوِّهِ.
وَالْأَمْرُ فِي قَوْله: فَتَرَبَّصُوا لِلتَّحْضِيضِ الْمَجَازِيِّ الْمُفِيدِ قِلَّةَ الِاكْتِرَاثِ بِتَرَبُّصِهِمْ كَقَوْلِ طَرِيفِ بْنِ تَمِيمٍ الْعَنْبَرِيِّ:

فَتَوَسَّمُونِي إنّني أَنا ذَلِكُم شَاكِي سِلَاحِي فِي الْحَوَادِثِ مُعْلَمِ
وَجُمْلَةُ إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ تَهْدِيدٌ لِلْمُخَاطَبِينَ وَالْمَعِيَّةُ هُنَا: مَعِيَّةٌ فِي التَّرَبُّصِ، أَوْ فِي زَمَانِهِ، وَفُصِلَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّهَا كالعلّة للحضّ.
[٥٣]
[سُورَة التَّوْبَة (٩) : آيَة ٥٣]
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣)
ابْتِدَاءُ كَلَامٍ هُوَ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُسْتَأْذِنِينَ مِنْهُمْ فِي التَّخَلُّفِ «وَأَنَا أُعِينُكَ بِمَالِي». رُوِيَ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، أَحَدُ بَنِي سَلَمَةَ، الَّذِي نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [التَّوْبَة: ٤٩] كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ مُنَافِقًا. وَكَأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ مَعَ شِدَّةِ شُحِّهِمْ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ يُرْضِي النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قُعُودِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ.
وَقَوْلُهُ: طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أَيْ بِمَالٍ تَبْذُلُونَهُ عِوَضًا عَنِ الْغَزْوِ، أَوْ بِمَالٍ تُنْفِقُونَهُ طَوْعًا مَعَ خُرُوجِكُمْ إِلَى الْغَزْوِ، فَقَوْلُهُ: طَوْعاً إِدْمَاجٌ لِتَعْمِيمِ أَحْوَالِ الْإِنْفَاقِ فِي عَدَمِ

صفحة رقم 225

الْقَبُولِ فَإِنَّهُمْ لَا يُنْفِقُونَ إِلَّا كَرْهًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا: وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ [التَّوْبَة:
٥٤].
وَالْأَمْرُ فِي أَنْفِقُوا لِلتَّسْوِيَةِ أَيْ: أَنْفِقُوا أَوْ لَا تُنْفِقُوا، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَوْ فِي قَوْلِهِ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً وَهُوَ فِي مَعْنَى الْخَبَرِ الشَّرْطِيِّ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ أَنْ يُقَالَ: لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنْ أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أَوْ أَنْفَقْتُمْ كَرْهًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَ أَمْثَالِهِ الشَّرْطُ فِي مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التَّوْبَة: ٨٠].
وَالْكَرْهُ أَشَدُّ الْإِلْزَامِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوْعِ مَرَاتِبُ تُعْلَمُ إِرَادَتُهَا بِالْأَوْلَى، وَانْتَصَبَ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً عَلَى النِّيَابَةِ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ بِتَقْدِيرِ: إِنْفَاقَ طَوْعٍ أَوْ إِنْفَاق كره. ونائت فَاعِلِ يُتَقَبَّلَ: هُوَ مِنْكُمْ أَيْ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْكُمْ شَيْءٌ وَلَيْسَ الْمُقَدَّرُ الْإِنْفَاقَ الْمَأْخُوذَ مِنْ أَنْفِقُوا بَلِ الْمَقْصُودُ الْعُمُومُ.
وَجُمْلَةُ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ فِي مَوْضِعِ الْعِلَّةِ لِنَفْيِ التَّقَبُّلِ، وَلِذَلِكَ وَقَعَتْ فِيهَا (إِنَّ) الْمُفِيدَةُ لِمَعْنَى فَاءِ التَّعْلِيلِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ عَمَلُ الْبِرِّ. وَالْمُرَادُ بِالْفَاسِقِينَ:
الْكَافِرُونَ، وَلِذَلِكَ أَعْقَبَ بِقَوْلِهِ: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التَّوْبَة: ٥٤]. وَإِنَّمَا اخْتِيرَ وَصْفُ الْفَاسِقِينَ دُونَ الْكَافِرِينَ لِأَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ، فَكَانُوا كَالْمَائِلِينَ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا تَأْيِيسُهُمْ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِمَا بَذَلُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّ الْإِنْفَاقَ فِي الْغَزْوِ يَنْفَعُهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ صِدْقِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا مِنْ شَكِّهِمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ، فَتَوَهَّمُوا أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ
أَعْمَالًا تَنْفَعُ الْمُسْلِمِينَ يَجِدُونَهَا عِنْدَ الْحَشْرِ عَلَى فَرْضِ ظُهُورِ صِدْقِ الرَّسُولِ. وَيَبْقَوْنَ عَلَى دِينِهِمْ فَلَا يَتَعَرَّضُونَ لِلْمَهَالِكِ فِي الْغَزْوِ وَلَا لِلْمَشَاقِّ، وَهَذَا مِنْ سُوءِ نَظَرِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَعْضِهِمْ: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَداً [مَرْيَم:
٧٧] إِذْ حَسِبَ أَنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْبَعْثِ بِحَالَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا فِي الْحَيَاةِ إِذَا صَدَقَ إِخْبَارُ الرَّسُول بِالْبَعْثِ.

صفحة رقم 226

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية