إذن : فشرط تقبل الله لأي عمل غنما يأتي بعد الإيمان بالله، أما أن تعمل وليس في بالك الله، فخذ أجرك ممن كان في بالك وأنت تعمل.
لذلك ضرب الله مثلا بأعمال الذين كفروا في قوله تعالى :
والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب( ٣٩ ) ( النور )، ويعطينا الله سبحانه مثلا آخر في قوله تعالى :{ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد( ١٨ ) ( إبراهيم ).
ويقول الحق سبحانه وتعالى : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ( ٢٠ ) } ( الشورى ).
وهذا ما يشرح لنا ما استغلق على بعض العلماء فهمه في قول الحق :{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره( ٧ ) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره( ٨ ) ( الزلزلة ).
فقد تساءل بعض من العلماء : أيجزي الحق سبحانه هؤلاء الكفار في الآخرة أم في الدنيا ؟ وقد استغلق عليهم الأمر لأن الآية عامة. ونقول : إن الحق يعطي في الدنيا الجزاء لمن عمل للدنيا، ويعطي في الآخرة لمن عمل للدنيا والآخرة وفي قلبه الله. ولذلك فالذين يحسنون اتخاذ الأسباب المخلوقة لله بمنح الربوبية ينجحون في حياتهم. والذين يتقدمون دنيويا في زراعة الأرض وانتقاء البذور والعناية بها يعطيهم الله جزاء عملهم في الدنيا، ولا يبخس منه شيئا ؛ ولكن الحق سبحانه يقول أيضا :
{ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا( ٢٣ ) ( الفرقان ).
هذا القول يوضح عطاء الآخرة، ولذلك فالخير الذي يعمله غير المؤمن لا يجزى عليه في الآخرة(١) ؛ لأنه عمل وليس في باله الله، فكيف ينتظر جزاءه لم يؤمن به ؟.
إن الله سبحانه يجزي من آمن به وعمل من أجله. ولكن من كفر بالله حبط كل عمله. وهذا أمر طبيعي ؛ لأنك ما دمت قد عملت الخير وليس في بالك الله، فلا تنتظر جزاءا منه. إن عملت للإنسانية أعطيتك الإنسانية، وإن عملت للمجتمع أعطاك المجتمع وصنعوا لك التماثيل وأطلقوا اسمك على الميادين والشوارع، وأقيمت باسمك المؤسسات، وتحقق لك الخلود في الدنيا، وهذا هو جزاؤك. ولكن إن كنت مؤمنا بالله، راجيا ثوابه تجيء يوم القيامة لتجد يد الله ممدودة لك بالخير الذي قدمته.
والحق سبحانه وتعالى يقول هنا : قل أنفقوا طوعا أوكرها والطوع : هو الفعل الذي تقبل عليه بإرادتك دون أن تكون مكرها، فكيف لا تجازى على خبر فعلته بإرادتك ؟
ولا بد لنا أن نفرق بين " طوع " وطائع "، وكذلك نفرق بين هذا وبين الفعل الذي تقوم به حين يحملك غيرك ويكرهك أن تفعله. والأفعال كلها إما أن تكون بالطواعية وبالإرادة، وإما أن تكون بالإكراه. ولو كان الحق قد قال : أنفقوا، طاعة لما قال : لن يتقبل منكم ؛ لأن الطاعة معناها انصياع عابد لإرادة معبود، ولكن قوله هنا : طوعا يكشف أن ما ينفقونه هو أمر اختياري من عندهم. وكانت أحوال المنافقين كذلك، فمنهم من قدم أولاده للجهاد، ومن هو من قدم بعضا من ماله، وكانوا يفعلون ذلك طائعين لأنفسهم ويستترون بمثل هذه الأفعال حتى لا يفتضح نفاقهم، وكان الواحد منهم يتقدم إلى الصف الأول من صفوف الصلاة في المسجد، ويفعل ذلك طوع إرادته، خوفا من افتضاح نفاقة لا طاعة الله، فطاعة الله هي طاعة عابد لمعبود، أما مثل تلك الأفعال حين تنبع من طوع النفس فهي للمظهر وليست للعبادة.
قل أنفقوا طوعا أو كرها هل هذا أمر بالإنفاق ؟ أو هل الله يريد منهم أن ينفقوا فعلا، خاصة أنه سبحانه لن يتقبل منهم ؟ لا ليس هذا أمرا بالإنفاق بل هو تهديد ووعيد. مثلما تقول لإنسان : اصبر، فذلك ليس أمرا بالصبر ولكن تهديد بمعنى : اصبر فسترى مني هولا كثيرا. وهذا مثل قوله تعالى : فاصبروا أولا تصبروا... ( ١٦ ) ( الطور ).
وقوله تعالى : اعلموا ما شئتم.. ( ٤٠ ) ( فصلت )أي : أنكم إن صبرتم فإن ذلك لن يغير شيئا من الجزاء الذي سوف تلاقونه، فالأمر سواء. ولو كان قوله تعالى : اعملوا ما شئتم أمرا ؛ لكان كل من عمل معصية داخلا في الطاعة ؛ لأن الله أمره أن يفعل ما يشاء. ولكن هذا أمر تهديدي، أي : افعلوا ما شئتم فأنتم عائدون إلى الله وسيحاسبكم على ما عملتموه : ولن تستطيعوا الفرار من الله سبحانه.
وقوله تعالى : أنفقوا هو-إذن- أمر تهديدي ؛ لأنه لن يجديكم أن تنفقوا طوعا أو كرها.
وكلمة كرها وردت في القرآن الكريم في أكثر من سورة، فهي في سورة آل عمران، وفي سورة النساء، وفي سورة التوبة وفي سورة الأحقاف، وفي سورة الرعد وفي سورة فصلت، قد ذكرت كرها بفتح الكاف وقرأها بعضهم بضم الكاف. وقال البعض : إن " كرها : بفتح الكاف " كرها " بضم الكاف بمعنى واحد. نقول لهم : لا، إن المعنى ليس واحد، فمثلا قول الحق سبحانه وتعالى :{ حملته أمه كرها وضعته كرها... ( ١٥ ) ( الأحقاف ) فالكره هنا ليس للحمل ولا للوضع، ولكن للمشقة التي تعانيها الحامل أثناء حملها وعند الولادة. فلم يكرهها أحد على هذا الحمل. ولكن البعض يقول : إن الحمل يحدث وليس للمرأة علاج أن تحمل ولا أن تضع، فلا توجد امرأة تقول لنفسها :" سوف أحمل الليلة " ؛ لأن الحمل يحدث دون أن تعي هي حدوثه، فالحمل يحدث باللقاء بين الرجل والمرأة. والمرأة لا تستطيع أن تختار ساعة الحمل ولا أن تختار ساعة الولادة، ولا تستطيع أن تقول : سألد اليوم أو لن ألد اليوم. فكل هذا يحدث إكراها بغير اختيار منها. ولذلك نقول لمن يقولون أن " كرها " بفتح الكاف و " كرها " بضم الكاف بمعنى واحد : لا ؛ لأن " الكره " بضم الكاف هو ما لا يريده الإنسان لأن فيه مشقة، والكره بفتح الكاف هو ما فيه إكراه من الغير. إذن فكرها بفتح الكاف تختلف من معناها عن " كرها " بضم الكاف(٢).
الحق سبحانه وتعالى يقول : قل انفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم أي : لن يقبل الله منكم ما تنفقونه. ولكن ما الفرق ؟ لقد كان المنافقون يدفعون الزكاة ويقبلها الرسول منهم ولم يرضها أدبا منه صلى الله عليه وسلم، فكل عمل يؤدي ثم يذهب إلى الرقيب الأعلى وهو الحق سبحانه وتعالى. ولكن حدث أن واحدا من هؤلاء هو ثعلبة طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعوا له بالغنى، فلما دعا له ورزقه الله الرزق الوفير بحل عن الزكاة، وحاول أن يتهرب من دفعها(٣) ؛ فنزل القول الكريم :
ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدق ولنكونن من الصالحين( ٧٥ ) فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون( ٧٦ ) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون( ٧٧ ) :
وعندما نزلت هذه الآية جاء ثعلبة ليدفع الزكاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها منه. وعندما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ثعلبة إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبل منه الزكاة. وبعد أبي بكر جاء إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فلم يقبلها منه. ومات ثعلبة في عهد عثمان(٤). هذا هو عدم القبول.
ولكن هناك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من دفع الزكاة من المنافقين وقبلت منه، ولكن الله لم يتقبلها منه. إذن : فكل عمل قد يقبل من فاعله، ولكن الله سبحانه وتعالى قد يتقبله أو قد لا يتقبله. إذن فالآية معناها : أن الله لن يتقبل من هؤلاء المنافقين إنفاقهم في الخير ولو تقبله في الشر.
ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى السبب في ذلك فيقول :
إنكم كنتم قوما فاسقين وكما قلنا : إن كلمة الفاسق مأخوذة من " فسقت الرطبة " أي انفصلت القشرة عن الثمرة. وقشرة البلح مخلوقة لتحفظ الثمر. وعلمنا أن المعاني في التكليف الشرعي قد أخذت من الأمور الحسية ؛ ولهذا تجد أن الدين سياج يمنع الإنسان من أن يخرج على حدود الله ويحفظه من المعصية، والإنسان حين ينفصل عن الدين إنما يصبح كالثمرة التي انفصلت عن سياجها.
فالذي يشرب الخمر أو يرتكب الجرائم أو الزنا يعاقب على المعصية، أما إن كان الإنسان منافقا بعيدا عن الإيمان بالله فطاعته لا تقبل. وهب أن الإنسان مؤمن بالله ولكنه ضعيف أمام معصية ما، هنا نقول : لا شيء يجوز على شيء، وإن له ثواب إيمانه وعليه عقاب معصيته.
٢ وإلى هذا ذهب الفراء فقد قال: إن الكره ما أكرهت نفسك عليه، الكره ما |أكرهك غيرك عليه. نقله ابن منظور في لسان العرب..
٣ وذلك أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فقال صلى الله عليه وسلم: ويحك يا ثعلبة قليل ما تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه. فقال ثعلبة: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالا لأوتين كل ذي حق حقه، فقال صلى الله عليه وسلم:"اللهم ارزق ثعلبة مالا" وتدرج به الأمر حتى ترك الصلاة والجمعة ثم منع الزكاة وقال: ما هذه إلا جزية. وبعد ما نزلت آية التوبة(٧٥) أتى ثعلبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجوه أن يقبل صدقته فقال:"إن الله قد منعني أن أنقبل صدقتك" فجعل ثعلبة يحثو التراب على رأسه. حديث طويل أخرجه الطبراني في مجمعه الكبير (٧٨٧٣) من حديث أبي أمامة. قال الهيثمي في المجمع (٧/٣٢): فيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك" وانظر أسباب النزول للواحدي (ص١٤٥).
٤ عندما ولى عثمان الخلافة، أتاه ثعلبة فسأله أن يقبل صدقته، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبلها ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها؟! فلم يقبلها عثمان. انتظر: أسباب النزول للواحدي (١٤٥، ١٤٦)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي