ما هو عاقبتكم، فلا بدّ أن يلقى كلنا ما يتربصه لا يتجاوزه
[سورة التوبة (٩) : آية ٥٣]
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣)
أَنْفِقُوا يعنى في سبيل الله ووجوه البر طَوْعاً أَوْ كَرْهاً نصب على الحال، أى طائعين أو مكرهين. فإن قلت: كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ؟ قلت: هو أمر في معنى الخبر، كقوله تبارك وتعالى قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا ومعناه: لن يتقبل منكم أنفقتم طوعاً أو كرهاً. ونحوه قوله تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وقوله:
أسِيئِى بِنَا أوْ أحْسِنِى لَا مَلُومَةً «١»
أى لن يغفر الله لهم، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم. ولا نلومك- أسأت إلينا أم أحسنت.
فإن قلت: متى يجوز نحو هذا؟ قلت: إذا دلّ الكلام عليه كما جاز عكسه في قولك رحم الله زيداً وغفر له. فإن قلت: لم فعل ذلك؟ قلت: لنكتة فيه، وهي أنّ كثيرا كأنه يقول لعزة: امتحنى لطف محلك عندي وقوّة محبتي لك، وعاملينى بالاساءة. والإحسان، وانظري هل بتفاوت حالى معك مسيئة كنت أو محسنة؟ وفي معناه قول القائل:
| أخُوكَ الَّذِى إنْ قُمْتَ بِالسَّيْفِ عَامِدا | لِتَضْرِبَهُ لَمْ يَسْتَفِثَّكَ فِى الْوَدِّ «٢» |
| أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة | لدينا ولا مقلية إن تقلت |
(٢).
| أخوك الذي إن قمت بالسيف عامداً | لتضربه لم يستفثك في الود |
| ولو جئت تبغى كنفه لتبيتها | تبادر إشفاقا عليك من الرد |
| يرى أنه في الود وان مقصر | على أنه قد زاد فيه عن الجهد |
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم