ﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة والكسائي : أنفقوا طوعا أو كرها بفتح لكاف، وقرأ حمزة والكسائي : أو كرها بضم الكاف ١.
وقرأ عامة السبعة أيضا غير حمزة والكسائي : وما منعهم أن تقبل منهم نفقتهم بالتاء. وقرأ حمزة والكسائي : وما منعهم أن يقبل منهم نفقاتهم بالياء ٢.
وهذه الآية الكريمة من الآيات النازلة في الجد بن قيس أخي بني سلمة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاه إلى الخروج في غزوة تبوك واعتذر له أعذار المنافقين المتقدمة قال له : ائذن لي في القعود، وهذا مالي أعينك به، خذ مالي نفقة مني في سبيل الله واتركني أنا أتخلف ٣. فأنزل الله في إنفاقه الذي عرض على النبي صلى الله عليه وسلم : قل يا نبي الله لهؤلاء المنافقين أنفقوا طوعا أو كرها أي : في حال كونكم طائعين أو كارهين لن يقبل الله منكم نفقة ؛ لأنه يعلم أنكم كفار في الباطن، وصيغة الأمر في قوله : قل أنفقوا تقرر في الأصول ٤ أن من الصيغ التي ترد لها ( افعل ) قصد التسوية بين الأمرين، فمن أساليب اللغة أن تأتي بصيغة ( افعل ) تقصد بذلك أن تسوي بين الأمرين، المذكورين بعد ذلك، ونظيره في القرآن : فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم [ الطور : آية ١٦ ] يعني : صبركم وعدمه سواء لا ينفعكم ذلك. استغفر لهم أو لا تستغفر لهم [ التوبة : آية ٨٠ ] يعني : استغفارك وعدمه سواء، لا ينفع استغفارك ولا عدمه، كذلك قوله هنا : أنفقوا طائعين أو مكرهين لا ينفعكم ذلك الإنفاق ؛ لأن الله لا يقبل أعمال الكفرة. وهذا معنى قوله : قل أنفقوا طوعا أو كرها [ التوبة : آية ٥٣ ] طوعا أو كرها : مصدران منكران في موضع الحال. أي : في حال كونكم طائعين أو مكرهين. وإتيان التسوية بين الأمرين بصيغة ( افعل ) معروف في كلام العرب، ذكرنا له أمثلة في القرآن العظيم، ومن أمثلته في كلام العرب قول كثير عزة ٥ :
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت
يعني : إن أسأت أو أحسنت إلينا فكل ذلك سواء لا يغير ودنا القديم بالنسبة إليك.
وقوله : لن يتقبل منكم لن يقبل الله نفقتكم. قال بعض العلماء : لم يقبلها رسول الله فردها عليهم. وقال بعضهم : لا يقبلها الله، أي : لا يؤتيهم عليها أجرا ؛ لأنها لا يراد بها وجه الله.
ثم قال : إنكم كنتم قوما فسقين أي : خارجين عن طاعة الله. والفسق في لغة العرب ٦ معناه الخروج. وفي اصطلاح الشرع ٧ : الفسق الخروج عن طاعة الله. تارة يعظم ذلك الخروج فيكون كفرا، وتارة يكون خروجا دون خروج، وفسقا دون فسق، فيكون بارتكاب كبيرة ؛ ولأجل هذا كان الفسق يطلق في القرآن على الكفر كقوله : وأما الذين فسقوا فمأوهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها [ السجدة : آية ٢٠ ] وتارة يطلق على ارتكاب المحرم الكبير كقوله : إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا [ الحجرات : آية ٦ ] وقوله في القاذفين : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفسقون [ النور : آية ٤ ].
وهذه الآية معلوم تعلق المعتزلة بها في أن السيئات تبطل الحسنات، قالوا : لأن الله صرح بأن فسقهم أبطل نفقتهم. ومن هنا زعموا أن كبائر الذنوب تبطل الأعمال. وهذا مذهب باطل لا شك في بطلانه، وهذه الآية التي تعلقوا بها بين الله ( جل وعلا ) بطلان حجتهم منها في قوله بعده – يليه – : وما منعهم أن تقبل منهم نفقتهم إلا أنهم كفروا

١ انظر: الإتحاف (٢/ ٩٣)..
٢ انظر: السبعة ٣١٤ – ٣١٥..
٣ أخرجه ابن جرير (١٤/ ٢٩٤)، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٤٧ – ٢٤٨..
٤ انظر: شرح الكوكب المنير (٣/ ٢٧)..
٥ البيت في ابن جرير (١٤/ ٢٩٣)، القرطبي (٨/ ١٦١)..
٦ راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٩) من سورة البقرة..
٧ راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٩) من سورة البقرة..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير