ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ

ثم يأتي الحق بصورة من صور المنافقين فيقول سبحانه :
يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوا إن كانوا مؤمنين ( ٦٢ ) .
ومن العجيب أن سورة التوبة فيها أكبر عدد من لفظ " يحلفون "، ولم ترد مادة " يحلف " في سورة المائدة إلا مرة واحدة، وفي سورة النساء مرة، وفي سورة المجادلة ثلاث مرات، أما في سورة التوبة فقد جاءت سبع مرات، وفي سورة القلم جاءت " حلاف "، حتى إن سورة التوبة سميت " سورة يحلف١، لأن فيها أكبر عدد من يحلفون في القرآن الكريم.
ويقول الحق سبحانه :
يحلفون بالله لكم ليرضوكم وفي هذا إصرار من المنافقين على الحلف، كذبا، وهو ما يوضح غباءهم وعدم فطنتهم. وأيضا يقول الحق.
سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم... ( ٩٥ ) ( التوبة ).
واستخدام الحق سبحانه وتعالى حرف السين معناه أنهم لم يحلفوا بعد، ولكنهم سيحلفون بعد فترة، أي في المستقبل، أي : أن الآية الكريمة نزلت ولم يحلفوا بعد، إنما هم سيحلفون بعد نزول الآية الكريمة، ولو كان عندهم ذرة من ذكاء ما حلفوا، ولقالوا : إن القرآن قال سنحلف ولكننا لم نحلف. ولكنهم ورغم نزول الآية جاءوا مصدقين للقرآن مثبتين للإيمان وحلفوا. وكلمة " حلف " هي القسم أو اليمين. وحين نتمعن في القرآن نجد أن الحلف لا يطلق إلا على اليمين الكاذبة، أما القسم فإنه يطلق على اليمين الصادقة واليمين الكاذبة. فمثلا عندما نقرأ في سورة المائدة : ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم.... ( ٨٩ ) ( المائدة ).
وما دامت هناك كفارة يمين، يكون الحلف كذبا، لأن الذي يستوجب الكفارة هو الكذب. وإذا استعرضنا بعد ذلك كل " حلف " في القرآن نجد أنه يقصد بها اليمين الكاذبة، ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى : ولا تطع كل حلاف مهين ( ١٠ ) ( القلم )، فالحلف هنا مقصود به القسم الكاذب. ولكن إذا قال الحق سبحانه وتعالى أقسموا فقد يكون اليمين صادقا، وقد يكون كاذبا.
والحق سبحانه وتعالى يقول : يحلفون بالله لكم ليرضوكم أي : أن هدف الحلف كذبا هو إرضاء المؤمنين حتى يطمئنوا للمنافقين ولا يتوقعوا منهم الشر، ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بالحقيقة : والله ورسوله أحق أن يرضوه إذن : فهم يحلفون لترضوا فهم يحلفون لترضوا أنتم عنهم، أما المؤمن الحق فهو لا يقسم إلا ليرضى الله، لأن الإنسان قد يخدع البشر، وقد يفلت من عدالة الأرض، ولكنك لا تخدع الله ولا تفلت من عدالته أبدا.
ومن مهام الإيمان أن الإنسان يرعى الله في كل معاملة له مع البشر، ويبتغي رضاه ويخاف من غضبه، وذلك هو المؤمن الحق.
وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال : والله ورسوله أحق أن يرضوه وكان القياس اللغوي على حسب كلام البشر أن يقول : والله ورسوله أحق أن ترضوهما. وشاء الحق أن يأتي بها والله ورسوله أحق أن يرضوه لأن رضا الله ورضا رسوله هو رضا واحد، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأتي بالقرآن من عنده، ولكنه وحي من عند الله. وإرضاء الرسول هو اتباع النهج الذي فيه رضا الله. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله... ( ٣١ ) ( آل عمران )
ويقول سبحانه : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله... ( ٣١ ) ( آل عمران )
ويقول سبحانه : من يطع الرسول فقد أطاع الله.... ( ٨٠ ) ( النساء )
إذن : فلا توجد طاعة لله وطاعة للرسول، ولا رضا لله ورضا للرسول، لأن الرضا منهما رضا واحد.
إذن : فقول الحق سبحانه وتعالى : والله ورسوله أحق أن يرضوه دليل على اتحاد الرضا من الله ومن رسوله، فما يرضي الله يرضي الرسول صلى الله عليه وسلم، وما يغضب الله يغضب الرسول٢.
أو : أن الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نتأدب مع ذاته، في أنه إذا اجتمع أمران لله ولرسوله لا نجعل أحدا مع الله، وإنما نجعله له سبحانه وهو الواحد. ولذلك فعندما ارتكب رجل ذنبا، وقالوا له : أعلن توبتك أمام رسول الله :" قال الرجل : إني أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد. فقال له رسول الله :" وقعي على الخير " ٣. انظر إلى عظمة الرسول الكريم الذي يثني على رجل يقول أمامه : إني لا أتوب إلى محمد، إنما أتوب إلى الله.
وقول الحق سبحانه : إن كانوا مؤمنين أي : إن كان إيمانهم حقيقة، وليس نفاقا.
إذن : فنحن لا نطلب الرضا من خلق الله، ولكن نطلبه من الله. ورضا الله سبحانه وتعالى ورضا المبلغ عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم رضا واحد ولذلك وحد الضمير والله ورسوله أحق أن يرضوه ولم يقل يرضوهما٤.

١ هذه السورة لها أسماء كثيرة فهي: براء، والتوبة، والفاضحة، والحافرة، لأنها حفرت عم قلوب المنافقين. وقال حذيفة: هي سورة العذاب. وقال ابن عمر: كنا ندعوها المشققة وقال الحارث بن يزيد: كانت تدعى المبعثرة، ويقال لها: المسورة، ويقال لها: البحوث، لأنها تبحث عن أسرار المنافقين. انظر: البرهان في علوم القرآن للزركي(١/٢٦٩).
٢ وقد جاء هذا في حديث متفق عليه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله" أخرجه البخاري(٧١٣٧) ومسلم (١٨٣٠).
٣ عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بأسير فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"عرف الحق لأهله" أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/٤٣٥) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٩٩) "وفيه محمد بن مصعب وثقه أحد وضعفه غيره وبقية رجاله رجال الصحيح" وقد ضعف الحافظ العراقي إسناد هذا الحديث في تخريجه للإحياء(١/٢٢٠).
٤ لأهل اللغة هنا تقديرات كثيرة لتوجيه إفراد الضمير هنا، وذكر منها القرطبي ثلاثة تقديرات ثم قال:"وقيل إن الله سبحانه جعل رضاه في رضاه، ألا ترى أنه قالمن يطع الرسول فقد أطاع الله... (النساء: ٨٠) وكان الربيع بن خيثم إذا مر بهذه الآية وقف ثم قال: حرف وأيما حرف. فوض إليه فلا يأمرنا إلا بخير" انظر تفسير القرطبي (٤/٣١١٩).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير