ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض [ التوبة : آية ٦٧ ] المنافق هو من يظهر الإيمان، ويسر الكفر، وهو المسمى في عرف الفقهاء بالزنديق. قال بعض العلماء : اشتقاقه من النافقاء وهي جحر اليربوع ؛ لأن جحر اليربوع يكون له أبواب مختلفة يدخل من باب ويخرج من آخر، فالمنافق يخرج بغير ما دخل به، هكذا قيل.
المنافقون الذكور والمنافقات الإناث، هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن مما استدل به جماعة من أهل الأصول على مسألة أصولية مختلف فيها وإيضاحه أن الصفات التي يشترك فيها الذكور والإناث إذا جاءت في كتاب الله أو سنة رسوله بصيغة خاصة بالذكور فهل يدخل فيها الإناث نظرا إلى اشتراكهن مع الذكور في أصل الوصف، أو يختص بها الذكور لأن البناء مختص بالذكور ؟ ! وإيضاح هذا، أن النفاق هو صفة تتصف بها الأنثى والذكر، ولكن قوله : المنفقون اختص بالذكور، فإذا جاء في كتاب الله جمع مذكر سالم أصل معناه يشترك فيه الذكور والإناث، هل يحكم بدخول الإناث أو لا يحكم بدخولهن إلا بدليل منفصل ؟ ! هذا خلاف مشهور في الأصول ١، قال أكثر أهل الأصول : إن الجموع المذكرة السالمة ونحوها مما يختص بجماعة الذكور، إذا ورد في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل فيه النساء إلا بدليل خاص، لاختصاص الصيغة بالذكور، وإن كان الوصف شاملا للجميع، واستدلوا على أن النساء لا يدخلن في الجموع المذكرة بمثل هذه الآية في القرآن، قالوا : لو كانت المنافقات الإناث يدخلن في اسم المنافقين بصيغة الجمع المذكر السالم لكفى، ذلك عن عطفهن عليهم، قالوا : والعطف دليل المغايرة وعدم الدخول، واستدلوا لهذا بكثرة نحوه في القرآن كقوله : ليعذب الله المنفقين والمنفقت والمشركين والمشركت [ الأحزاب : آية ٧٣ ] وقوله : قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم [ النور : آية ٣٠ ] ثم قال : وقل للمؤمنت [ النور : آية ٣١ ] فقالوا : فعطف النساء على الذكور المجموعين بصيغة الجمع المذكر يدل على عدم دخولهن فيه لاختصاص الصيغة بالذكور، وإن كان الوصف شاملا للجميع. وكتابه
وذهبت طائفة أخرى إلى أن النساء يدخلن في الجموع المذكرة وما جرى مجراها ؛ لأن الجميع سواء في التكاليف، واستدلوا بآيات من كتاب الله جاء مصرحا فيها بدخول الأنثى في صيغة الجمع المذكر السالم، كقوله تعالى في امرأة العزيز : وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كفرين ( ٤٣ ) [ النمل : آية ٤٣ ] فأدخل هذه المرأة في ( الكافرين ) وهو جمع مذكر سالم. وقوله في مريم ابنت عمران : وصدقت بكلمت ربها وكتابه [ التحريم : آية ١٢ ] وفي القراءة الأخرى : وكتبه وكانت من القنتين ٢ فأدخل مريم وهي امرأة في اسم ( القانتين ) وهو جمع مذكر سالم، قالوا : ونظيره قوله في امرأة العزيز : يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ( ٢٩ ) [ يوسف : آية ٢٩ ] وهذا خلاف معروف في الأصول. وأكثر الأصوليون يقولون : إنهن لا يدخلن. وأجمع العلماء على عدم دخول النساء في صيغة الذكور في قوله : والذين هم لفروجهم حفظون ( ٥ ) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمنهم [ المؤمنون : الآيتان ٥، ٦ ] فلا يجوز للمرأة أن تتخذ عبدها وتتسراه ؛ لأن الإناث لم يدخلن في هذه الصيغة المختصة بالذكور، وعلى كل حال فأظهر قولي الأصوليين – وعليه أكثرهم – أن أصل اللغة يقتضي تغليب الذكور على الإناث، وهذا لا نزاع فيه، أما التبادر عند الإطلاق، فهل يتبادر دخول النساء في الجموع المذكرة أو لا ؟ فالظاهر أنه ما دخلن في جمع مذكر سالم إلا بقرينت زائدة دالة على ذلك، وأنه إذا تجرد من القرائن لم يدخلن فيه، وعلى هذا أكثر علماء الأصول.
وقوله : بعضهم من بعض [ التوبة : آية ٦٧ ] هذه الآية تضمنت تكذيب المنافقين المذكور في قوله : ويحلفون بالله إنهم لمنكم [ التوبة : آية ٥٦ ] وصدقت قوله : وما هم منكم [ التوبة : آية ٥٦ ] كأن الله يقول : المنافقون يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم. الحقيقة هم ليسوا منكم ولكن بعضهم من بعض، وليسوا منكم ولستم منهم، بل هم بعضهم من بعض ؛ لأنهم هم المتشابهون في الأخلاق والأهداف، أخلاقهم واحدة وغرضهم واحد، فبعضهم من بعض وبعضهم أولياء بعض، وليسوا منكم ولستم منهم، فهذا معنى قوله : المنفقون والمنفقت بعضهم من بعض ثم بين صفاتهم التي يجتمعون فيها وهي ضد صفات المؤمنين، على خط مستقيم، وهي قوله : يأمرون بالمنكر والمؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المعروف والمؤمنون ينهون عن المنكر.
والمنكر : اسم مفعول أنكره، والمراد به كل ما أنكره الشرع ولم يأذن فيه. والمعروف : اسم مفعول ( عرفه ) وهو كل ما عرفه الشرع ودعا إليه يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم المراد بقبض اليد هنا كناية وعدم مد الأيدي بما ألزم الله بإعطائه، فهم لا يزكون ولا ينفقون، فالعرب تقول : فلان يتعود قبض اليد، ويده مقبوضة، ويقبض يده يكنون بذلك عن البخل. يعنون : لا يجود. فبسط اليد معناه الجود، وقبض اليد معناه البخل، قال بعض العلماء : قبضهم أيديهم : بخلهم بما يلزمهم من الزكوات وسائر الإنفاق. وقال (... ) ٣

١ انظر: شرح الكوكب المنير (٣/ ٢٣٥)..
٢ انظر: المبسوط لابن مهران ص ٤٤٠..
٣ في هذا الموضع انقطع التسجيل، وهو آخر ما وجد من دروس الشيخ (رحمه الله) في التفسير..

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير