قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ) ذلك أن المنافقين قد آمن منهم بعد النفاق وتاب، فأخبر أنه إن يعف عنهم يعذب طائفة: الذين لم يؤمنوا ولم يتوبوا.
وقيل: إن يعف عن طائفة منكم يعذب طائفة؛ لأن من المنافقين من قد ماتوا على الإيمان، ومنهم من قد مات على الكفر؛ فوعد العفو لمن مات على الإيمان؛ كقوله: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ): أخبر أنه إن شاء تاب عليهم؛ فقوله: (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ) الطائفة التي يتوب الله عليهم.
وقوله: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ) يحتمل وجهين:
أحدهما: على الإيجاب، أي: يفعلون باللَّه ورسوله ذلك.
وقيل: على الوعيد والهتوبيخ؛ أباللَّه يفعلون هذا؟! واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ).
ذكر في أهل الإيمان أن بعضهم أولياء بعض بقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، وذكر في الكافرين الولاية لبعضهم ببعض بقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، وقال في المنافقين: (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، فهو - واللَّه أعلم - أن لأهل الإيمان دينًا يدينون به ويتناصرون، ويدعون الناس إليه،
وأهل الكفر يدينون -أيضًا- بدين ويتناصرون به، ويعاون بعضهم بعضًا؛ فصار لكل واحد من الفريقين موالاة فيما بينهم: موالاة الدِّين.
وأما المنافقون: فإنه لا دين لهم يدينون به، ولا مذهب ينتحلونه، ولا يناصر بعضهم بعضًا، ولا يعاون بعضهم بعضًا، ولا يجري بينهم التناصر والتعاون، فإنما هم عباد النعمة والسعة، مالوا حيثما مالت النعمة والسعة فلا موالاة بينهم لما ذكرنا.
وفي قوله: (وَالْمُنَافِقَاتُ) دلالة أن من نافق بالتقليد لآخر أو كفر بالتقليد لآخر، أو نافق لا بتقليد - سواءٌ في استيجاب الإثم والتعذيب في ذلك والوعيد؛ لأن النساء هن أتباع وأهل تقليد للرجال، ثم سوى بينهم وبين النساء في الوعيد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ).
يحتمل قوله: (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ)، أي: ما تنكره العقول، وهو الشرك بالله والخلاف له.
(وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ)، أي: ينهون عما تعرفه العقول وتستحسنه، وهو التوحيد لله والإيمان به، ويدخل في ذلك كل خير وحسن، وفي المنكر يدخل فيه الشرك وكل معصية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ).
من الإنفاق في سبيل الخير، لكن يحتمل أن يكون على التمثيل لا على تحقيق قبض اليد، ولكن على كف النفس ومنعها من الاشتغال بالخيرات وخوضها فيها وفي جميع الطاعات، لكنه ذكر اليد؛ لما بالأيدي يعمل بها ويكتسب الخيرات والسيئات؛ كقوله: (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)، وذلك مما لم تقدمه الأيدي ولا كسبت؛ إنما ذلك كسب القلب، لكنه ذكر اليد؛ لما ذكرنا أنه باليد ما يقدم وبها يقبض في الشاهد، وجائز أن يكون ما ذكر من قبض اليد كناية عن بخلهم وقلة إنفاقهم في الجهاد؛ كقوله: (وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ).
قيل: جعلوا اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - كالشيء المنسي لا يذكرونه أبدًا؛ فنسيهم، أي: جعلهم كالمنسيين في الآخرة من رحمته لا ينالونها ويحتمل (نَسُوا اللَّهَ)، أي: نسوا نعم اللَّه التي
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم