ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( ٧ ) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ( التوبة : ٧-٨ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر براءة الله ورسوله من المشركين وإمهالهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارا، ثم ذكر دعوتهم إلى التوبة من الشرك وإنذارهم سوء العاقبة، ثم أمر بما يترتب على النبذ وهو عود حال الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وُقِّتَت بها، بمناجزة المشركين بكل أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر من قتل وأسر وحصر وقطع طرق الوصول عليهم، إلا من يستجير بالرسول ليسمع كلام الله فإنه يجار حتى يسمعه- قفّى على ذلك ببيان أن هذا النبذ وما يترتب عليه إنما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنون أو دونه.
تفسير المفردات :
ظهر عليه : غلبه وظفر به، ورقب الشيء : رعاه وحاذره لأن الخائف يرْقُب العقاب ويتوقعه، ومنه فلان لا يرْقُب الله في أموره : أي لا ينظر إلى عقابه، فيركب رأسه في المعصية، والإل : القرابة. قال بن مُقبل :

أفسد الناس خلوف خلفوا قطعوا الإل وأعراق الرحم
والذمة والذمام : العهد الذي يلزم من ضيّعه الذمّ، وكان خَفر الذمام ونقض العهد عندهم من العار، فاسقون : أي خارجون من قيود العهود والمواثيق متجاوزون لحدود الصدق والوفاء، من قولهم : فسقت الرطْبة إذا خرجت من قشرتها.
الإيضاح :
كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة أي كيف يكون للمشركين غير هؤلاء الذين جربتم وفاءهم- عهد مشروع عند الله مرعيُّ الوفاء عند رسوله- وحالهم المعروفة من أخلاقهم وأعمالهم أنهم إن يظهروا عليكم في القُوّة والغَلَب، لا يرقبوا الله ولا القرابة في نقض العهد والميثاق.
والخلاصة : إنه لا عهد لمن كان له عهد وغدر فيه، وكذا من لا عهد له منهم لأنهم لشدة عداوتهم للمؤمنين لم يقيّدوا أنفسهم معهم بعهد سلم مطلق ولا مؤقت.
ثم بيّن ما تنطوي عليه جوانحهم من الضغينة للمؤمنين فقال :
يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون أي هم يخادعونكم حال الضعف بما يفوهون به من كلام معسول يرون أنه يرضيكم سواء أكان عهدا أم وعدا أم وأيمانا مؤكدة، وقلوبهم مملوءة ضغنا وحقدا يقولون بألسنتهم ما ليس بقلوبهم ( الفتح : ١١ ) فهم إن ظهروا عليكم نكثوا العهود وحنثوا بالإيمان وفتكوا بكم بقدر ما يستطيعون.
وإنما يفعلون ذلك لأن أكثرهم خارجون من قيود العهود والمواثيق متجاوزين لحدود الصدق والوفاء، فليس لهم مُروءة رادعة ولا عقيدة وازعة، ولا يتعفّفون عن الغدر وعما يجر إلى سوء الأحدوثة وَثَلم العرض.
وإنما وصف الأكثر، لأنهم هم الناكثون الناقضون لعهودهم، وأقلهم الموفُون الذين استثناهم الله تعالى وأمر المؤمنين بالاستقامة لهم ما استقاموا لهم.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير