ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٩٤ سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ومَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ٩٥ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ٩٦
هذه الآيات بيان لما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا في المدينة وما حولها عن غزوة تبوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بعد عودتهم إليهم.
سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ سيؤكدون لكم اعتذارهم بالأيمان الكاذبة إذا انقلبتم وتحولتم إليهم من سفركم، لأجل أن تعرضوا عن عتبهم وتوبيخهم على قعودهم مع الخالفين من النساء والأطفال والعجزة، وبخلهم بالنفقة، ولم يذكر المحلوف عليه للدلالة على شموله لكل ما يعتذر عنه.
فأعرضوا عنهم إعراض إهانة واحتقار، لا إعراض صفح وإعذار، وهذا التعبير من أسلوب الحكيم، وهو قبول ما يبغون من الإعراض عنهم، ولكن على غير الوجه الذي يرجونه منه بل على ضده، وقد علل الأمر بقوله : إنهم رجس أي قذر معنوي يجب الإعراض عنه تنزها عن القرب منه بأشد مما يتنزه الطاهر الثوب والبدن عن ملابسة الأرجاس والأقذار الحسية. وهذا بمعنى ما تقدم من قوله ٢٨ إنما المشركون نجس ، وسبق بيان معنى الرجس في تفسير آية إنما الخمر والميسر [ المائدة : ٩٣ ] من سورة المائدة.
ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون أي وملجؤهم الأخير نار جهنم جزاء بما كانوا يكسبون في الدنيا من أعمال النفاق التي دنست أنفسهم، والإعراض عن آيات الله الذي زادهم رجسا على رجسهم، كما تراه في الآية ( ١٢٥ ) الآتية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ولا ينافي هذا التحقيق ما يروى عن ابن عباس من نزول هذه الآيات في الجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما من المنافقين- وكانوا ثمانين رجلا أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة بأن لا يجالسوهم ولا يكلموهم- إذ لا دليل على أن هؤلاء مقصودون من الآيات بذواتهم وشخوصهم كالذين نهى عن الاستغفار لهم وعلله بموتهم على كفرهم- كعبد الله بن أبي- وقد قال قتادة : إن هذه الآيات نزلت فيه، فإنه حلف للنبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته أن لا يتخلف عنه، وطلب أن يرضى عنه فلم يفعل. والآيات أعم من هذا وذاك. وهي من أنباء الغيب بما فيها من بيان مقاصدهم الخفية، وإن كان الاعتذار والحلف من سجاياهم المعروفة، وأن من علامات النفاق كثرة الحلف، لشعور المنافق دائما بأنه متهم بالكذب.
ويجب التنبه في هذا المقام لجهل فظيع وقفنا عليه بمذاكرة بعض المشتغلين بعلوم الدين التقليدية مخالف لهذه الآية وأمثالها من كتاب الله تعالى، وهو زعمهم أن ما عابه الكتاب الحكيم على المشركين والكافرين من أعمال الشرك والكفر كدعاء غير الله واتخاذ أولياء من دونه يقربونهم إليه ويشفعون لهم عنده فيما يطلبون من دفع ضر وجلب نفع مما لا ينال بالكسب فهو خاص بهم وبأوليائهم وشفعائهم، وأن وقوع مثله من المسلمين لا ينافي صحة إيمانهم، والاعتداد بإسلامهم، للفرق الواضح بين من يدعو الأصنام والأوثان ويجعلها واسطة بينه وبين الله تعالى تشفع له عنده وتقربه إليه زلفى، ومن يدعو الأنبياء والأولياء لذلك وهم عباد الله المكرمون، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ! !
جهل هؤلاء أن الشرك والكفر لا يختلف حكمه باختلاف متعلقه، فمن يدعو مع الله صنما أو كوكبا كمن يدعو نبيا أو ملكا، على أن الأوثان والأصنام كانت تماثيل لذكرى بعض الأولياء والصالحين كالقبور المنسوبة إلى بعضهم نسبة صحيحة أو مزورة، ولكن ماذا يقول هؤلاء الجاهلون المدافعون عن الشرك وأهله في أهل الكتاب الذين يدعون ويستغيثون الأنبياء والصالحين، متوسلين بهم ومتشفعين، وهم الذين اتبع القبوريون من المسلمين سننهم في شركهم كما أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك تحذيرا وإنذارا بقوله :" لتتبعن سنن من كان قبلكم " ١ الحديث، وهو متفق عليه وتقدم ذكره مرارا، وفصلت هذه المسألة في تفسير الآية اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا [ التوبة : ٣١ ] فيراجع تفسيرها.
ويذكر هؤلاء الجاهلون بالقرآن وتاريخ الإسلام فرقا آخر بين شرك المسلمين وشرك من قبلهم، وهو أن المشركين السابقين اتخذوا أوثانهم وأنبياءهم آلهة وأربابا، وأن المسلمين الذين يدعون الأولياء ويستغيثون في الشدائد طلبا لشفاعتهم لم يتخذوهم آلهة ولا أربابا وإنما يتخذونهم وسائل ووسائط ويعتقدون أنهم مخلوقون مثلهم.
والجواب عن هذا أنه لا فرق بين عمل الفريقين إلا في التسمية، ولكن من بعض الوجوه، فمشركو العرب لم يكونوا يسمون أصنامهم أربابا ؛ بل كانوا يعتقدون ويقولون إن رب العالمين وخالقهم ومدبر أمورهم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله وحده، لأن هذا مقتضى لغتهم، وإنما كانوا يسمونها آلهة لأن الإله في لغتهم هو المعبود، والمعبود هو من يتوجه إليه ويدعى فيما لا يقدر عليه الناس بكسبهم في دائرة الأسباب المعروفة لهم، ويعظم ويتقرب إليه بالذبائح وغيرها لأجل ذلك، سواء كان سلطانه على النفع ودفع الضر بذاته لذاته وهو الله تعالى، أو بشفاعته عند الله. وقد تقدم بسط هذا المعنى مرارا، وسيعاد في تفسير سورة يونس للنصوص الصريحة فيه، فتسمية هذه العبادة لغير الله توسلا في عرف بعض الناس لا يخرجها عن حقيقتها، ولا عن كون اسمها في اللغة العربية عبادة وهو ما كان يسميها به أهل هذه اللغة. وإنما التوسل الشرعي التقرب إلى الله تعالى بما شرعه من الأعمال الصالحة، لا بالأهواء المبتدعة، ولا بالتقاليد المتبعة.


تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير