ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

صَفْحٍ وَإِعْذَارٍ، وَهَذَا التَّعْبِيرُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، وَهُوَ قَبُولُ مَا يَبْغُونَ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يَرْجُونَهُ مِنْهُ بَلْ عَلَى ضِدِّهِ، وَقَدْ عَلَّلَ الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ: (إِنَّهُمْ رِجْسٌ) أَيْ قَذَرٌ مَعْنَوِيٌّ يَجِبُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ تَنَزُّهًا عَنِ الْقُرْبِ مِنْهُ بِأَشَدَّ مِمَّا يَتَنَزَّهُ الطَّاهِرُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ عَنْ مُلَابَسَةِ الْأَرْجَاسِ وَالْأَقْذَارِ الْحِسِّيَّةِ. وَهَذَا بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (٢٨) وَسَبَقَ بَيَانُ مَعْنَى الرِّجْسِ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) (٥: ٩٠) مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أَيْ وَمَلْجَؤُهُمُ الْأَخِيرُ نَارُ جَهَنَّمَ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَعْمَالِ النِّفَاقِ الَّتِي دَنَّسَتْ أَنْفُسَهُمْ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ آيَاتِ اللهِ الَّذِي زَادَهُمْ رِجْسًا عَلَى رِجْسِهِمْ، كَمَا تَرَاهُ فِي الْآيَةِ (١٢٥) الْآتِيَةِ.
(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) فَتَسْتَدِيمُوا مُعَامَلَتَهُمُ السَّابِقَةَ بِظَاهِرِ إِسْلَامِهِمْ وَهَذَا غَرَضٌ آخَرُ وَرَاءَ غَرَضِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ لَا يَهْنَأُ عَيْشُهُمْ بِدُونِهِ، وَلَا حَظَّ لَهُمْ مِنْ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ غَيْرَهُ وَلَوْ كَانَ إِسْلَامُهُمْ عَنْ إِيمَانٍ لَكَانَ غَرَضُهُمُ الْأَوَّلُ إِرْضَاءَ اللهِ وَرَسُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي آيَةِ (يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) (٦٢) إِلَخْ. وَلَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ وَهَذِهِ حَالَتُهُمْ (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ) فَرْضًا وَقَدْ أَعْلَمَكُمُ اللهُ بِحَالِهِمْ (فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) عَنْ أَمْرِهِ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا الْفُسُوقَ سَبَبٌ أَوْ عِلَّةٌ لِسُخْطِ اللهِ تَعَالَى، فَالْحُكْمُ بِعَدَمِ رِضَاهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ لَا بِذَوَاتِهِمْ وَشُخُوصِهِمْ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا فُرِضَ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ عَنْهُمْ وَآمَنَ لَهُمْ بِاعْتِذَارِهِمْ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ كَانَ فَاسِقًا مِثْلَهُمْ، مَحْرُومًا مِنْ رِضَائِهِ تَعَالَى، كَمَا أَنَّ مَنْ يَتُوبُ مِنْهُمْ وَيُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ يَخْرُجُ مِنْ حُدُودِ سُخْطِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَدْخُلُ فِي حَظِيرَةِ مَرْضَاتِهِ ; إِذْ لَا يُعَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ فَاسِقًا. فَأَحْكَامُ اللهِ الْعَامَّةُ وَوَعْدُهُ وَوَعِيدُهُ تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْمَالِ وَالصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ لَا بِالذَّوَاتِ وَالْأَعْيَانِ، وَلَوْ قَالَ: ((فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنْهُمْ)) لَمَا أَفَادَ التَّعْبِيرُ هَذِهِ الْحَقَائِقَ وَالْمَعَانِيَ، بَلْ كَانَ يَكُونُ حُكْمًا عَلَى أَفْرَادٍ مُعَيَّنِينَ، مُسَجِّلًا عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ عَلَى كَفْرِهِمْ وَعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَمَا أَبْعَدَ هَذَا عَنْ حِكْمَةِ اللهِ وَعَنْ هِدَايَةِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ؟
وَلَا يُنَافِي هَذَا التَّحْقِيقُ مَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ وَمُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ وَأَصْحَابِهِمَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ بِأَلَّا يُجَالِسُوهُمْ وَلَا يُكَلِّمُوهُمْ ; إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ مَقْصُودُونَ مِنَ الْآيَاتِ بِذَوَاتِهِمْ وَشُخُوصِهِمْ كَالَّذِينِ نُهِيَ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَعَلَّلَهُ بِمَوْتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَقَدْ قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِيهِ، فَإِنَّهُ حَلَفَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ عَوْدَتِهِ بِأَلَّا يَتَخَلَّفَ عَنْهُ، وَطَلَبَ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. وَالْآيَاتُ أَعَمُّ مِنْ هَذَا وَذَاكَ. وَهِيَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ بِمَا فِيهَا مِنْ بَيَانِ مَقَاصِدِهِمُ الْخَفِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الِاعْتِذَارُ وَالْحَلِفُ مِنْ سَجَايَاهُمْ

صفحة رقم 5

الْمَعْرُوفَةِ، وَإِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ كَثْرَةَ الْحَلِفِ ; لِشُعُورِ الْمُنَافِقِ دَائِمًا بِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ.
وَيَجِبُ التَّنَبُّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِجَهْلٍ فَظِيعٍ - وَقَفْنَا عَلَيْهِ بِمُذَاكَرَةِ بَعْضِ الْمُشْتَغِلِينَ بِعُلُومِ الدِّينِ التَّقْلِيدِيَّةِ - مُخَالِفٍ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ مَا عَابَهُ الْكِتَابُ الْحَكِيمُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَالْكَافِرِينَ مِنْ أَعْمَالِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ كَدُعَاءِ غَيْرِ اللهِ وَاتِّخَاذِ أَوْلِيَاءَ مَنْ دُونِهِ يُقَرِّبُونَهُمْ إِلَيْهِ وَيَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَهُ فِيمَا يَطْلُبُونَ مِنْ دَفْعِ ضُرٍّ وَجَلْبِ نَفْعٍ مِمَّا لَا يُنَالُ بِالْكَسْبِ، فَهُوَ خَاصٌّ بِهِمْ وَبِأَوْلِيَائِهِمْ وَشُفَعَائِهِمْ وَأَنَّ وُقُوعَ مِثْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يُنَافِي صِحَّةَ إِيمَانِهِمْ، وَالِاعْتِدَادَ بِإِسْلَامِهِمْ ; لِلْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَ مَنْ يَدْعُو الْأَصْنَامَ وَالْأَوْثَانَ وَيَجْعَلُهَا وَاسِطَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى تَشْفَعُ لَهُ عِنْدَهُ وَتُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ زُلْفَى، وَمَنْ يَدْعُو الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ لِذَلِكَ وَهُمْ عِبَادُ اللهِ الْمُكْرَمُونَ، الَّذِينَ لَا خَوْفَ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ؟ ؟
جَهِلَ هَؤُلَاءِ أَنَّ الشِّرْكَ وَالْكُفْرَ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ مُتَعَلِّقِهِ فَمَنْ يَدْعُو مَعَ اللهِ صَنَمًا أَوْ كَوْكَبًا، كَمَنْ يَدْعُو نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا، عَلَى أَنَّ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ كَانَتْ تَمَاثِيلَ لِذِكْرَى بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَالْقُبُورِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى بَعْضِهِمْ نِسْبَةً صَحِيحَةً أَوْ مُزَوَّرَةً، وَلَكِنْ مَاذَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلُونَ الْمُدَافِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَدْعُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ، مُتَوَسِّلِينَ بِهِمْ وَمُسْتَشْفِعِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعَ الْقُبُورِيُّونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سُنَنَهُمْ فِي شِرْكِهِمْ كَمَا أَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ تَحْذِيرًا وَإِنْذَارًا بِقَوْلِهِ ((لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ)) الْحَدِيثَ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِرَارًا، وَفُصِّلَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا) (٣١) فَيُرَاجَعُ تَفْسِيرُهَا.
وَيَذْكُرُ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلُونَ بِالْقُرْآنِ وَتَارِيخِ الْإِسْلَامِ فَرْقًا آخَرَ بَيْنَ شِرْكِ الْمُسْلِمِينَ وَشِرْكِ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ السَّابِقِينَ اتَّخَذُوا أَوْثَانَهُمْ وَأَنْبِيَاءَهُمْ وَأَوْلِيَاءَهُمْ آلِهَةً وَأَرْبَابًا، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الْأَوْلِيَاءَ وَيَسْتَغِيثُونَهُمْ فِي الشَّدَائِدِ طَلَبًا لِشَفَاعَتِهِمْ لَمْ يَتَّخِذُوهُمْ آلِهَةً وَلَا أَرْبَابًا وَإِنَّمَا يَتَّخِذُونَهُمْ وَسَائِلَ وَوَسَائِطَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ مِثْلَهُمْ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَمَلِ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا فِي التَّسْمِيَةِ وَلَكِنْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَمُشْرِكُو الْعَرَبِ لَمْ يَكُونُوا يُسَمُّونَ أَصْنَامَهُمْ أَرْبَابًا، بَلْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ وَيَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقَهُمْ وَمُدَبِّرَ أُمُورِهِمُ الَّذِي يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ ; لِأَنَّ هَذَا مُقْتَضَى لُغَتِهِمْ ; وَإِنَّمَا كَانُوا يُسَمُّونَهَا آلِهَةً لِأَنَّ الْإِلَهَ فِي لُغَتِهِمْ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَالْمَعْبُودُ هُوَ مَنْ يُتَوَجَّهُ إِلَيْهِ وَيُدْعَى فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ النَّاسُ بِكَسْبِهِمْ فِي دَائِرَةِ الْأَسْبَابِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُمْ، وَيُعَظَّمُ وَيُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِالذَّبَائِحِ وَغَيْرِهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ سُلْطَانُهُ عَلَى النَّفْعِ وَدَفْعِ الضُّرِّ بِذَاتِهِ لِذَاتِهِ وَهُوَ اللهُ تَعَالَى أَوْ بِشَفَاعَتِهِ عِنْدَ اللهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا الْمَعْنَى مِرَارًا. وَسَيُعَادُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُونُسَ

صفحة رقم 6

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية