في نهاية الربع الماضي تحدث كتاب الله عن الأعذار التي يسمح الإسلام من أجلها بالتخلف عن الجهاد، لأنه ينظر إليها بعين الاعتبار، وفي بداية هذا الربع الذي هو حصة اليوم تسلط الآيات الكريمة أضواءها على المعتذرين بأعذار واهية، حرصا على السلامة والعافية، ومن بينهم طائفة من أغنياء المنافقين فضلت القعود والركود على الجهاد والجلاد، تأمينا لمتعتها، وضمانا لراحتها، وبخلا بالتنازل ولو مؤقتا عن مألوفاتها.
وقوله تعالى : سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم توكيد وتجديد لما سبق أن وصف به كتاب الله من قبل طائفة المنافقين، فهم يكثرون من الحلف باستمرار، ويلجأون إليه دون انقطاع، لتوكيد ادعاءاتهم، وإعطائها صبغة الصدق والحق، كلما أعوزهم الدليل والبرهان، وخانهم المنطق والبيان. ومن الآيات التي سبق فيها وصف المنافقين بالإكثار من الحلف الكاذب أو اليمين الغموس قوله تعالى في سورة النساء : ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ، وقوله تعالى سابقا في هذه السورة –سورة التوبة- وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ، ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ، يحلفون بالله لكم ليرضوكم ، يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر ، وقوله تعالى في سورة المجادلة : ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ، اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بهذا الوصف، الملازم للمنافقين، الأولين منهم والآخرين.
وقوله تعالى هنا : لتعرضوا عنهم معناه أن أغنياء المنافقين إنما يرمون من وراء حلفهم هذه المرة إلى التخلص من تأنيب المؤمنين ولومهم، فهم يخافون المعرة والتجريح لا غير، وهم يحاولون أن يخلعوا على عذرهم الباطل صبغة العذر الصحيح.
ثم قال تعالى مخاطبا لرسوله والمؤمنين : فأعرضوا عنهم، إنهم رجس، ومأواهم جهنم، جزاء بما كانوا يكسبون والأمر بالإعراض عن المنافقين هنا يقتضي مقاطعتهم واحتقارهم واعتبارهم منبوذين خارج الجماعة الإسلامية. ولخبث طويتهم، وفساد عقيدتهم، وصفهم كتاب الله بأنهم " رجس " أي قذر وخبث، كما وصف المشركين من قبل في هذه السورة نفسها بأنهم نجس : إنما المشركون نجس .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري