ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨ

ثم ذكر منافقي البادية، فقال :
الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يقول الحق جل جلاله : الأعرابُ ، وهم سكان البادية، قال ابن عزيز : يقال : رجل أعرابي، إذا كان بدوياً. وإن لم يكن من العرب، ورجل عربي، إذا كان منسوباً إلى العرب، وإن لم يكن بدوياَ. أهل البوادي من المنافقين هم أشدُّ كفراً ونفاقاً من أهل الحاضرة، وذلك لتوحشهم وقساوتهم، وعدم مخالطتهم لأهل العلم وقلة استماعهم للكتاب، وأجدَرُ أي : أحق ألاّ يعلموا حدود ما أنزل اللَّهُ على رسوله من الشرائع وفرائضها وسننها، لبُعدهم عن مجالس العلم، والله عليمٌ حكيم ؛ يعلم كل واحد من أهل الوبَر والمدَر، حكيم فيما يدبر من إسكان البادية، أو الحاضرة، ويختار لكم واحد بحكمته البالغة ما يليق به، وسيأتي بقية الكلام على سكنى الحاضرة أو البادية في الإشارة، إن شاء الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد ورد الترغيب في سكنى المدن ؛ لأنها محل العلم وسماع الوعظ، وفيها من يستعان بهم على الدين، وورد الترغيب أيضاً في سكنى الجبال والفرار بالدين من الفتن، وخصوصاً في آخر الزمان. ولهذا اختار كثير من الصحابة والتابعين سكنى البوادي ؛ كأبي ذر ؛ وسلمة بن الأكوع، وغيرهما ـ رضي الله عنهم ـ.
والتحرير في المسألة : أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والمقاصد، فمن كان مراده تحقيق الشريعة، وتحرير مسائل العلم الظاهر، والقيام بوظائف الدين، ولم يجد في البادية من يعينه على ذلك ؛ فسكنى المدن أفضل له، ومن كان مراده تصفية قلبه وتحقيق علم الطريقة، وتهيئة القلب لإشراق أنوار الحقيقة، فالاعتزال في البوادي، وقرون الجبال، أوفق له، إن وجد من يستعين بهم على ذلك ؛ لأن شواغل المدن، وعوائدها كثيرة، وقد كثرت فيها الحظوظ والأهوية ؛ فلا يجد فيها إلا من هو مفتون بدنيا أو مبتلى بهوى، بخلاف أهل البادية، هذه العوائد فيهم قليلة، وجُلّ أهلها على الفطرة.
وأيضاً : هم مفتقرون إلى من يسوسهم بالعلم أكثر من غيرهم، فمن تصدى لتعليمهم وتذكيرهم لا يعلم قدره إلا الله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : أرحم الناس بالناس من يرحم من لا يرحم نفسه. أي : من يرحم الجاهل الذي لا يرحم نفسه ؛ بأن يعلمه ما ينفع به نفسه ويرحمها. وقال الغزالي في الإحياء : يجب على العلماء أن يبعثوا من يعلم الناس في البوادي ؛ فإن أخلوا بذلك الأمر عاقبهم الله، فمن تعرض لتعليمهم قام بهذا الواجب. والله تعالى أعلم. وأما ما يذكر حديثاً :" أمتي في المدن، وقليل في البادية " فلم يصح، بل قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ للرجل الذي أراد أن ينتقل إلى المدينة :" اعبد الله حيثما كنت، فإن الله لن يترك من أعمالك شيئاً ". وكذلك قوله : إذا أراد الله بعبد خيراً نقله من البادية إلى الحاضرة ؛ لم أقف عليه حديثاً. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير