في نهاية الربع الماضي تحدث كتاب الله عن الأعذار التي يسمح الإسلام من أجلها بالتخلف عن الجهاد، لأنه ينظر إليها بعين الاعتبار، وفي بداية هذا الربع الذي هو حصة اليوم تسلط الآيات الكريمة أضواءها على المعتذرين بأعذار واهية، حرصا على السلامة والعافية، ومن بينهم طائفة من أغنياء المنافقين فضلت القعود والركود على الجهاد والجلاد، تأمينا لمتعتها، وضمانا لراحتها، وبخلا بالتنازل ولو مؤقتا عن مألوفاتها.
وتولى كتاب الله الحديث عما كان عليه الأعراب في فجر الإسلام قبل أن يستفحل أمره وتعم دعوته، والمراد " بالأعراب " سكان البادية الملازمون لسكناها، فلمح كتاب الله إلى أن هذا الصنف من الناس بحكم اشتغالهم بمعايشهم، وانهماكهم في تربية إبلهم ومواشيهم، وتغيب كثير منهم عن كثير من المناسبات السعيدة التي كان يشهدها غيرهم من المسلمين المخالطين للرسول، والملازمين لمجلسه، والمترددين عليه لتلقي الوحي وتعلم الدين، ظلوا بعيدين عن التأثير اليومي المباشر للوحي والرسالة، ولم يتيحوا لأنفسهم الفرص الكافية لتتبع الدعوة الإسلامية في مختلف مراحلها، والتشبع بتعاليمها ومبادئها، وبقي من أجل ذلك قسم كبير منهم عرضة لدعاية المشركين، ووساوس المنافقين، وذلك هو المعنى المراد بقوله تعالى في بداية هذا الموضوع : الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله أي لأنهم لم يكونوا يخالطونه ويلازمونه كغيرهم من المؤمنين والله عليم حكيم . قال ابن قتيبة : " الأعرابي لزيم البادية، والعربي منسوب إلى العرب ".
وقال القاضي عبد الجبار : " يحتمل أن يراد بالأعراب من امتنع عن المهاجرة، فقد كان يقال : مهاجر وأعرابي ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري