وقوله تعالى :( الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ) [ يحتمل وجوها :
أحدها ][ في الأصل وم : وهو ] : أن رسول الله دعا كفار المدينة، فاتأس من إيمانهم لقوله تعالى :( فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم ) الآية. فلما أويس من إيمان هؤلاء أقبل نحو طائفة من الأعراب الذين كانوا بقرب المدينة وحواليها، [ فأخبره الله ][ ساقطة من الأصل وم ] أنهم ( أشد كفرا ونفاقا ) من أهل المدينة.
والثاني[ في الأصل وم : ويحتمل ] : أنه أراد بالأعراب جملة أنهم : أي الكفار منهم وأهل النفاق ( أشد كفرا ونفاقا ) من أهل الأمصار والمدن ؛ كانوا يسمعون الآيات والحجج، ويخالطون أهل رحمة وأهل مودة. وأما الأعراب وأهل البادية، كانوا لا يسمعون الآيات والحجج، ولا خالطوا أهل رحمة ورأفة، فهم[ في الأصل وم : فهؤلاء ] أقسى قلوبا وأضيق صدورا، وأهل المدن والأمصار ألين قلوبا وأوسع صدورا ؛ فهم أسرع للإجابة، وأولئك أبعد وأبطأ إجابة.
[ والثالث[ في الأصل : والثاني ] : أنهم وصفوا بفضل الجهل ما لم يوصف به أهل المدن والأمصار ][ ساقطة من الأصل وم : ما روي ] بذلك.
[ روي في بعض الأخبار ][ في الأصل وم : ما روي ] عن نبي الله صلى الله عليه وسلم [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال :«لا يؤمنكم أعرابي » وفي بعضها :«لا يؤمن أعرابي مهاجر »[ البيهقي في الكبرى٣/١٧١ ] وفي بعض الأخبار :«من بدا جفا »[ أحمد٢/٣٧١ ].
وذلك، والله أعلم، لأنهم لا يدخلون الأمصار ليتأدبوا، ويتعلموا[ في الأصل وم : ويتعلمون ] الآداب. فإذا كانوا كذلك فهم أجهل. والإيمان هو التصديق، والتصديق إنما يكون بعد العلم لأنه ما لم يعلم لا يصدق. فإذا كانوا بالجهل ما وصفنا كانوا أشد إنكارا وتكذيب من غيرهم، وهو ما ذكر.
[ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ) وصفهم بالجهل يكون التكذيب، وبالعلم التصديق، وهو ما ذكرنا. وأجدر وأحرى واحد.
وقوله تعالى :( حدود ما أنزل الله على رسوله ) قال بعضهم : هم أقل علما بالسنن، وقيل : بالفرائض. ويقال : الحدود ما بين من طاعة الله ومعصيته.
وأصله أنهم أهل جهل بجميع الأوامر والمناهي وجميع الآداب وما لا يحل ( والله عليم حكيم ) أي على علم بما يكون منهم ؛ خلقهم ( حكيم ) حين[ في الأصل وم : حيث ] وضع الخلائق بموضع يدل على وحدانيته وألوهيته لو تدبروا فيهن ونظروا.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم