فألهمها ، أي : النفس فجورها وتقواها قال ابن عباس رضي الله عنهما : بين لها الخير والشرّ، وعنه : علمها الطاعة والمعصية. وعن أبي صالح : عرّفها ما تأتي وما تتقي. وقال سعيد بن جبير : ألزمها فجورها وتقواها. وقال ابن زيد : جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها للفجور. واختار الزجاج هذا وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان.
قال البغوي : وهذا بين أنّ الله تعالى خلق في المؤمن التقوى وفي الكافر الفجور وعن أبي الأسود الدؤلي قال : قال لي عمران بن حصين : أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلونه مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وثبتت الحجة عليهم ؟ قلت : بل شيء قضى عليهم، ومضى عليهم، فقال : أفلا يكون ظلماً ؟ قال : ففزعت منه فزعاً شديداً وقلت : إنه ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [ الأنبياء : ٢٣ ] فقال لي سدّدك الله إنما سألتك لأختبر عقلك. إنّ رجلاً من جهينة أو مزينة أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال :«يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ويكادحون فيه أشيء قضى الله عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وأكدت به الحجة، فقال : في شيء قد مضى عليهم، قال فقلت : ففيم العمل الآن ؟ قال : من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها. وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى : ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها ». وعن جابر قال :«جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أو فيما يستقبل ؟ قال :«بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال : ففيم العمل ؟ قال : اعملوا وكل ميسر لما خلق له ».
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني