ﮏﮐﮑﮒﮓ

قوله : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ، هذا جواب القسم، والعامة : على تشديد الدال من التوديع.
وقرأ١ عروة بن الزبير وابنه هاشم، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة بتخفيفها، من قولهم :«ودَعَهُ »، أي : تركه والمشهور في اللغة الاستغناء عن «ودع، ووذرَ » واسم فاعلهما، واسم مفعولهما ومصدرهما ب «ترك » وما تصرف منه، وقد جاء «ودع ووذَرَ » ؛ قال الشاعر :[ الرمل ]
٥٢٣٤- سَلْ أمِيرِي : ما الَّذي غَيَّرهُ *** عَنْ وصالِي اليَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ٢
وقال آخر :[ الطويل ]
٥٢٣٥- وثَمَّ ودعْنَا آل عمرٍو وعامِرٍ*** فَرائِسَ أطْرافِ المُثقَّفَةِ السُّمْرِ٣
قيل : والتوديع مبالغة في الودع ؛ لأن من ودعك مفارقاً، فقد بالغ في تركك.
قال القرطبيُّ٤ : واستعماله قليل يقال : هو يدع كذا، أي : يتركه.
قال المبرد : لا يكادون يقولون : ودع، ولا ذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنهما ب «ترك ».
قوله : وَمَا قلى ، أي : ما أبغضك، يقال : قلاه يقليه - بكسر العين في المضارع - وتقول : قلاه يقلاه، بالفتح ؛ قال :[ الهزج ]
٥٢٣٦- أيَا مَنْ لَستُ أنسَاهُ *** وَلاَ واللَّهِ أقْلاه
لَكَ اللَّهُ عَلَى ذَاكَا *** لَكَ اللَّهُ لَكَ اللَّهُ٥
وحذف مفعول «قَلاَ » مراعاة للفواصل مع العلم به، وكذا بعد «فآوَى » وما بعده.

فصل في «القِلَى »


القلى : البغض، أي : ما أبغضك ربك منذ أحبك، فإن فتحت القاف مددت، تقول : قلاه يقليه قلى وقلاء، كما تقول : قريت الضيف أقرية قرى وقراء، ويقلاه : لغة طيىء. وأنشد :
٥٢٣٧- *** أيَّامَ أمِّ الغَمْرِ لا نَقْلاَهَا٦ ***
أي : لا نبغضها، ونقلي : أي : نبغض ؛ وقال :[ الطويل ]
٥٢٣٨- أسِيئِي بِنَا أو أحْسِنِي لا ملُومَةٌ *** لَديْنَا ولا مَقلِيَّةٌ إنْ تقلَّتِ٧
وقال امرؤ القيس :[ الطويل ]
٥٢٣٩-. . . *** ولَسْتُ بِمقْلِيِّ الخِلالِ ولا قَالِ٨
ومعنى الآية : ما ودعك ربك وما قلاك، فترك الكاف، لأنه رأس آية، كقوله تعالى : والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات [ الأحزاب : ٣٥ ] أي : والذاكرات الله.

فصل في سبب نزول الآية


قال المفسرون : انحبس الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر يوماً.
وقال ابن عباس : خمسة عشر يوماً [ وقيل خمسة وعشرين يوماً.
وقال مقاتل : أربعين يوماً ]٩.
فقال المشركون : إن محمداً صلى الله عليه وسلم قلاه ربه وودعه، ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء، فنزلت هذه الآية.
وروى البخاريُّ عن جندب بن سفيان قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين، أو ثلاث، فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب - لعنة الله عليها - فقالت : يا محمدُ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك ليلتين، أو ثلاث، فأنزل الله تعالى : والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى ١٠.
وروي عن أبي عمران الجوني : قال : أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم حتى شق عليه، فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو، فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى ١١.
وروي أن خولة كانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي الله أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال :«يا خولةُ ما حدّثَ في بَيْتِي ؟ ما لِجِبْريلَ لا يَأْتِينِي » ؟ قالت خولة : فقلت : لو هيأت البيت، وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته، فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي الله صلى الله عليه وسلم ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة - فقال : يا خولة دثِّرِيِنْي، فأنزل الله هذه السورة، ولما نزل جبريل سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن التّأخر، فقال :«أما عَلِمْتَ أنَّا لا ندخلُ بَيْتَاً فيهِ كَلبٌ، ولا صُورةٌ »١٢.
وقيل : لما سألته اليهود عن الروح، وذي القرنين وأهل الكهف، قال النبي صلى الله عليه وسلم :«سَأخْبركُمْ غداً » ولم يقل : إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل - عليه السلام - بقوله تعالى : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله [ الكهف : ٢٣، ٢٤ ]، فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى .
١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٤٩٣..
٢ نسب البيت إلى سويد بن أبي كاهل، ونسب إلى أبي الأسود الدؤلي، وكذلك نسب لأنس بن زنيم ويروي:
ليت شعري عن خليلي ما الذي *** غاله في الحب حتى ودعه
ينظر المحتسب ٢/٣١٤، والخصائص ١/٩٩، وشرح شواهد الشافية ص ٥٠، واللسان (ودع)، والبحر المحيط ٨/٤٨، والدر المصون ٦/٥٣٧..

٣ ينظر الكشاف ٤/٧٦٦، والقرطبي ٢٠/٦٤، والبحر ٨/٤٨٠، والدر المصون ٦/٥٣٧..
٤ ينظر الجامع لأحكام القرآن (٢٠/٦٤)..
٥ يروى البيت الأول:
أيا من لست أقلاه *** ولا في البعد أنساه
ينظر الدرر ٦/٤٨، وشرح الأشموني ٢/٤٩، وشرح عمدة الحافظ ص ٥٣٧، والمقاصد النحوية ٤/٩٧، وهمع الهوامع ٢/١٢٥، والدرر المصون ٦/٥٣٧..

٦ ينظر القرطبي ٢٠/٦٤، واللسان (قلا)..
٧ تقدم..
٨ عجز بيت وصدره:
*** صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ***
ينظر ديوانه ص ٣٥، واللسان (خلل)، والقرطبي ٢٠/٦٤..

٩ سقط من: ب..
١٠ أخرجه البخاري (٨/٥٨٠) كتاب التفسير: باب ما ودعك ربك وما قلى، رقم (٤٩٥٠) ومسلم (٣/١٤٢٢) كتاب الجهاد والسير: باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين رقم (١١٥/١٧٩٧) والترمذي (٥/٤١١) رقم (٣٣٤٥) والنسائي في "الكبرى" (٦/٥١٨) والطبري في "تفسيره" (١٢/٦٢٣) من حديث جندب بن عبد الله بن عبد الله بن سفيان البجلي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
١١ ينظر تفسير القرطبي (٢٠/٦٣)..
١٢ ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٤١) وقال رواه الطبراني وأم حفص لم أعرفها.
وذكره الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٣/٣٩٦) رقم (٣٨٠٦) وعزاه إلى ابن أبي شيبة في "مسنده"..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية