ﮏﮐﮑﮒﮓ

وجواب القسم : ما ودّعَكَ ربُّك أي : ما تركك منذ اختارك، وما قَلَى أي : وما أبغضك منذ أحبك، والتوديع : مبالغةٌ في الودْع، وهو الترك ؛ لأنَّ مَن ودّعك مفارقاً فقد بالغ في تركك. رُوي أنَّ الوحي تأخّر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً، فقال المشركون : إنَّ محمداً ودَعَهُ ربُّه وقلاه، فنزلت١ ردًّا عليهم، وتبشيراً له صلى الله عليه وسلم بالكرامة الحاصلة. وحذف الضمير من " قَلَى " إمّا للفواصل، أو للاستغناء عنه بذكره قبل، أو : للقصد إلى نفس صدور الفعل عنه تعالى، مع قطع النظر عما يقع عليه الفعل بالكلية، وحيث تضمّن ما سبق من نفي التوديع، والقَلى أنه تعالى يُواصله بالوحي والكرامة في الدنيا بَشَّر صلى الله عليه وسلم بأنّ ما سيؤتاه في الآخرة أجلّ وأعظم بذلك، فقيل : وللآخرةُ خير لك من الأُولى .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قال القشيري : يُشير إلى القسم بضحوة نهار قلب الرسول، عند انتشار شمس روحه على بشريته، وبِلَيل بشريته عند أحكام الطبيعة وسلوك آثار البشرية لغلبة سلطان الحقيقة، ما ودَّعك ربك بقطع فيض النبوة والرسالة عن ظاهرك، وما قَلَى بقطع فيض الولاية عن قلبك، وللآخرةُ خير لك من الأولى يعني : أحوال نهايتك أفضل وأكمل من أحوال بدايتك، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يزال يطير بجناحي الشريعة والطريقة في جو سماء الحقيقة، ويترقّى في مقامات القٌرب والكرامة. هـ. ويمكن الخطاب بالسورة الكريمة لخليفته من العارفين، الدعاة إلى الله. والله تعالى أعلم.



١ انظر البخاري في التهجد حديث ١١٢٤، وتفسير سورة ٩٣، حديث ٤٩٥٠، ومسلم في المغازي حديث ١١٤، ١١٥. والطبري في تفسيره ٣٠/٢٣١، والسيوطي في الدر المنثور ٦/٦٠٩..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير