الآية٦ : وقوله تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى ( آية مما )١ ذكر من الأحوال التي ذكر فيه : من قوله تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى ( الآيات : ٦و٧و٨ } وقوله تعالى : وما كنت تتلوا من قبله، من كتاب ولا تخطه بيمينك ( العنكبوت : ٤٨ ) ونحو ذلك من الأحوال التي ذكر فيه وهي ٢ في الظاهر أحوال تذكر للتبيين في من يقال فيه.
لكن في ذكر ما ذكر فيه من الأحوال ذكر بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والنصر له والعون وآية له على رسالته ونبوته، لأن نفاذ القول وغلبة الأمر مع الأحوال التي ذكر أعظم في الأعجوبة من نفاذه في أحوال السعة وحال قوة الأسباب وتأكيدها، وهو٣ قوله تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى ونحوه لأن أولئك الكفرة كانوا ينسبونه إلى الافتراء والاختراع من ذات نفسه، فأخبر أن اليتيم والفقير، ليس يبلغ في العلم والمعرفة المبلغ الذي يقدر على الاختراع وإنشاء الشيء من ذات نفسه على وجه يعجز عن مثله جميع الخلائق لما لا يجد ما ينفق في ذلك، ويتحمل المؤن حتى يبلغ مبلغ الاختراع. وكذلك ما ذكر حين٤ قال : وما كنت تتلوا من قبله، من كتاب ولا تخطه بيمينك ( العنكبوت : ٤٨ ) لأنهم قالوا : إنما يعلمه بشر ( النحل : ١٠٣ ) فالبشر إنما يتعلمون بالكتابة والخط. فإذا لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( حظ )٥ من ذلك دل أنه بالله تعالى عرف وحده.
وقوله تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى يحتمل٦ قوله : فآوى وجوها :
أحدها : وجدك يتيما فآواك إلى عمك حتى رباك، ودفع عنك كل أذى وآفة وساق إليك كل خير وبر إلى أن بلغت المبلغ الذي بلغت )٧.
والثاني : يقول قد وجدك يتيما فآواك إلى عدو من أعدائه٨ حتى تولى تربيتك، وبرك، وعطف عليك، وتولى عنك دفع المكروه والأذى، يذكر منته وعظيم نعمه عليه أنه كان ما ذكر، ثم صير من أعدائه٩ أشفق الناس عليه وأعطف، والله أعلم.
والثالث : قد وجدك يتيما فآواك إلى نفسه، وعطف عليك، حتى اختصك، واصطفاك للرسالة والنبوة حتى صرت مذكورا في الدنيا والآخرة وحتى أحوج جميع الناس إليك، ليس ذلك من أمر اليتيم أنه يبلغ شأنه وأمره إلى ما بلغ من أمرك وشأنك حتى صرت مخصوصا من بين الناس جميعا في ما ذكرنا من اختصاصه إياك بالرسالة، وأحوج جميع الناس إليك، يذكر عظيم منه ونعمه عليه.
٢ ساقطة من الأصل وم.
٣ في الأصل وم: أو أن يكون.
٤ في الأصل وم: حيث.
٥ ساقطة من الأصل وم.
٦ أدرج قبلها في الأصل وم: ثم.
٧ من م، ساقطة من الأصل.
٨ في الأصل وم: أعدائك.
٩ أدرج بعدها في الأصل وم: دفع المكروه.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم