ﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

وجواب القسم : لقد خلقنا الإِنسانَ أي : جنس الإنسان في أحسن تقويمٍ أي : كائناً في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل صورةً ومعنى، حيث جعله اللهُ مستوي القامة، متناسب الأعضاء، متصفاً بصفات البارئ تعالى من القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم :" إنَّ الله خلق آدم على صورته " ١، وفي رواية :" على صورة الرحمان " على بعض الأقوال. وشرح عجائب الإنسان يطول.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : حاصل ما ذكره القشيري : أنه تعالى أقسم بأربعة أشياء، لغاية شرفها ؛ الأولى شجرة القلب التينية المثمِرة للعلوم اللدنية الخالصة عن نوى الشكوك العقلية والشبهة الوهمية. والثانية : شجرة الروح المستضيئة من نور السر لكمال استعدادها، وإليه الإشارة بقوله : يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ [ النور : ٣٥ ] الخ. والثالثة : شجرة السر، الذي هو طور التجلِّي محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة. والرابعة : البلد الأمين، الذي هو حال التلبيس والخفاء، بعد التمكين، وهو الرجوع للأسباب، قياماً بآداب الحكمة ورسم العبودية، وهو مقام الكملة. والمقسَم عليه : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم قال القشيري : أي : في المظهر الأكمل والأتم، والمحل الأعم، حامل الأمانة الإلهية، وصاحب الصورة الرحمانية، روحانيته أُم الروحانيات، وطبيعته أجمع الأمزجة وأعدلها، ونشأته أوسع النشآت وأشملها. هـ. قلت : وإليه أشار الششتري بقوله :
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني ***...

وقول الشاعر :

يا تائهاً في مهمهٍ عن سره انظر تجد فيك الوجودَ بأسره
أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعاً سر الإله بأسره
وقال في لطائف المنن، حاكياً عن شيخة أبي العباس المرسي : قرأتُ ليلة والتين والزيتون إلى أن انتهيت إلى قوله : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ففكرتُ في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحاً وعقلاً، ثم رددنا أسفل سافلين نفساً وهوى. هـ. فقوله تعالى : إلاّ الذين آمنوا.. الخ ؛ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

١ أخرجه مسلم في البر حديث ١١٥، والجنة حديث ٢٨، وأحمد في المسند ٢/٢٤٤، ٢٥١، ٣٢٣..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير