لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ هذا جواب القسم : أي خلقنا جنس الإنسان كائناً في أحسن تقويم وتعديل. قال الواحدي : قال المفسرون : إن الله خلق كل ذي روح مكباً على وجهه إلاّ الإنسان، خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده، ومعنى التقويم : التعديل. يقال : قوّمته فاستقام. قال القرطبي : هو اعتداله واستواء شأنه، كذا قال عامة المفسرين. قال ابن العربي : ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً عالماً قادراً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً مدبراً حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعليها حمل بعض العلماء قوله صلى الله عليه وسلم :«إن الله خلق آدم على صورته » يعني : على صفاته التي تقدم ذكرها. قلت : وينبغي أن يضم إلى كلامه هذا قوله سبحانه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء [ الشورى : ١١ ] وقوله : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [ طه : ١١٠ ] ومن أراد أن يقف على حقيقة ما اشتمل عليه الإنسان من بديع الخلق وعجيب الصنع فلينظر في كتاب :( العبر والاعتبار ) للجاحظ، وفي الكتاب الذي عقده النيسابوري على قوله : وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ [ الذاريات : ٢١ ] وهو في مجلدين ضخمين.
وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، وذلك قوله : ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين * إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات قال : لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئًا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين يقول : إلى الكبر وضعفه، فإذا كبر وضعف عن العمل كتب له مثل أجر ما كان يعمل في شبيبته. وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً». وأخرج الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً :«من قرأ والتين والزيتون فقرأ : أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين فليقل : بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين». وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعاً :«إذا قرأت والتين والزيتون فقرأت : أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين فقل بلى». وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ : أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين قال : سبحانك اللَّهم فبلى ا هـ
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني