ثم رددناه أي صيرناه أسفل سافلين قال البغوي : نكرة تعم الجنس، يعني بمعونة المقام، كما يقال : كريم قائم، ويؤيده ما في مصحف ابن مسعود ( أسفل السافلين )، وإن لم تعم فهو هملة في قوة الجزئية، فيجوز أن يكون بعض السافلين أسفل عنه، ويوافق هذه الآية أعني خلق الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين قوله عليه السلام :( ما من مولد إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، غير أن في الآية أسند الرد إلى الله تعالى نظرا إلى أنه خالق لأفعال العباد، وفي الحديث إلى الأبوين، نظرا إلى الكسب، ولعل المراد بالسافلين ما جعله الله سبحانه سافل الاستعداد بحيث لا يمكنه تحصيل كمال من الكمالات الإنسانية، والصعود إلى مصاعد القرب، والتجليات الرحمانية، من السباع والبهائم والشياطين الأجنة، وجمعه سالما تغليبا للعقلاء منهم على غيرهم وهم الشياطين ومردة الجن، فالإنسان لما ضيع استعداده وترك شكر المنعم وإتيان موجبات الفوز برضوان الله تعالى وأتى بموجبات سخطه من الكفر ومقتضياته جعل أخبث من كل خبيث، وأحط مرتبة من كل دنيء، وأسوأ حالا، وأبتر مالا من الكلاب والخنازير ؛ بل من الشياطين أيضا، لما ورد في حديث أنس قال :( ويعرج له - أي للكافر- فرجة قبل الجنة فينظر إلى زمرتها وما فيها فيقال : انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يعرج له فرجة إلى النار ) الحديث رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة، وذلك ليفرح المؤمن كمال الفرح، ويتحسر الكافر كمال الحسرة، وروى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يدخل الجنة أحد إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا، ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة )(٢) وأما الشياطين فليس كذلك، ولم يكن لهم مقعد في الجنة لعدم استعدادهم دخولها، وقال الحسن ومجاهد وقتادة : معنى الآية ثم رددناه أسفل سافلين - يعني إلى النار - لأن جهنم بعضها أسفل من بعض. وقال أبو العالية : إلى النار في شر صورة، في صورة خنزير ونحوه.
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التين (٣٣٤٧)، وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: مقدار الركوع والسجود (٨٨٥)..
التفسير المظهري
المظهري