ثم رددناه أسفلَ سافلين أي : جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل قبيح، وأسفل من كل سافل، لعدم جريانه على موجب ما خَلَقَه عليه من الصفات، التي لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين. وقيل : رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القدرة، كقوله تعالى : وَمَن نعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [ يَس : ٦٨ ] أي : ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتعديل أسفلَ مَن سفُلَ في حُسن الصورة والشكل حيث ننكسه في خلقه، فقوَّس ظهره بعد اعتداله، وابْيَضَّ شعره بعد سواده، وتكمش جلده، وكَلّ سمعه وبصره.
وفيك يطوى ما انتشر من الأواني ***...
وقول الشاعر :يا تائهاً في مهمهٍ عن سره انظر تجد فيك الوجودَ بأسره
وقال في لطائف المنن، حاكياً عن شيخة أبي العباس المرسي : قرأتُ ليلة والتين والزيتون إلى أن انتهيت إلى قوله : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ففكرتُ في معنى الآية، فكشف لي عن اللوح المحفوظ، فإذا فيه مكتوب : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم روحاً وعقلاً، ثم رددنا أسفل سافلين نفساً وهوى. هـ. فقوله تعالى : إلاّ الذين آمنوا.. الخ ؛ هم أهل الروح والعقل، الباقون في حسن التقويم، وغيرهم أهل النفس والهوى، والله تعالى أعلم. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله. أنت الكمال طريقة وحقيقة يا جامعاً سر الإله بأسره
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي