ﭣﭤﭥ

كَلَّا ١إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى٢ ( ٦ ) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى٣( ٧ ) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى( ٨ ) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ( ٩ ) عَبْدًا إِذَا صَلَّى ( ١٠ ) أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَ( ١١ ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ٤( ١٢ ) أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى ٥ ( ١٣ ) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ( ١٤ ) كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا ٦ بِالنَّاصِيَةِ ٧ ( ١٥ ) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ( ١٦ ) فَلْيَدْعُ نَادِيَه ٨ ( ١٧ ) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ٩ ( ١٨ ) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ ١٠ وَاقْتَرِبْ١١ ( ١٩ ) ( ٦-١٩ ).
تعليق على ما في الآيات
كلا إن الإنسان ليطغى( ٦ ) أن رآه استغنى( ٧ )
من تلقين ثم من مدى ومغزى
في صدد أهداف الرسالة الإسلامية
وهذه الآيات بخاصة محل لتعليق آخر، من حيث إنها تجعل الطغيان نتيجة لكثرة المال والغنى. ولقد احتوت سور كثيرة مبكرة في النزول حملة على شدة حب المال، والحرص عليه، والتباهي به، واعتباره عنواناً للكرامة، وتنديداً بذلك، مثل سور القلم والمزمل والمدثر والمسد والفجر والعاديات والتكاثر والهمزة والبلد ممّا لم نر إيراده لأنه سوف يأتي بعد قليل.
ولقد احتوت هذه السور وسور أخرى مبكرة في النزول أيضا مثل الليل والأعلى والنجم فضلاً عن سور كثيرة أخرى نزلت في مختلف أدوار التنزيل حضاً على إطعام المساكين، والتصدّق على الفقراء، وتزكية المال، والإنفاق في سبيل الله. واحتوت في الوقت نفسه صوراً عديدة من مواقف الأغنياء المناوئة لنبوة النبي، ودعوته إلى جانب الزعماء ؛ حيث يبدو أن الأغنياء بدورهم رأوا في هذه النبوة والدعوة تهديداً لثرواتهم، فتضامنوا مع الزعماء في المناوأة منذ عهد مبكر جداً، واستحقوا وصف الطغيان الذي احتوته الآيات.
وبالإضافة إلى ما في هذا من تلقين جليل سلبي وإيجابي للمسلم فإنه ينطوي على مدى ومغزى عظيمين في صدد الرسالة الإسلامية التي يمثلها القرآن في الدرجة الأولى، وهما كون هذه الرسالة قد جاءت في جملة ما جاءت به للحدّ من جشع الإنسان للمال وتكالبه عليه، والدعوة إلى مساعدة المحتاجين إليه. وورود هذا في السور المبكرة في النزول يسبغ على ذلك المدى والمغزى خطورة خاصة، وقد استمر ذلك بأساليب متنوعة في سور كثيرة أخرى مما يزيد في قوة هذه الخطورة.
وهناك أحاديث كثيرة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم مع كل ذلك أيضاً شأنها مع كل المبادئ والتلقينات القرآنية سنوردها في مناسبات آتية أكثر ملاءمة.

في هذه الآيات :


١-
تقرير حقيقة في أخلاق البشر بوجه عام. وهي أن كثيراً منهم يتجاوزون الحد كبراً وبغياً حينما يشعرون في أنفسهم بالقوة، ويخيل إليهم أنهم في غنى عن غيرهم بكثرة مالهم، وقوة أنصارهم، وعصبيتهم وشخصيتهم، وأسلوب الآية التي ودرت فيها أسلوب تنديدي بهذا الخلق.

٢-
تذكير وإنذار بأن الناس راجعون إلى الله ومعروضون عليه.

٣-
تنديد بالذي يتعرض لعبد من عباد الله فينهاه عن الصلاة له مع أنه يسير على طريق الحق والهدى. ويدعو إلى تقوى الله ويذكّر به. وتنديد كذلك بالذي يكذب دعوة الله ويعرض عنها، وتذكير له في معرض الإنذار، وبأسلوب الاستفهام الإنكاري عما إذا لم يكن يعلم أن الله يراقبه ويحصى عليه آثامه ومواقفه.

٤-
تهديد وتحدّ وإنذار لهذا المكذب المتعرض المعرض بأسلوب قارع قاصم. فإذا لم ينتهِ عن موقفه الباغي فلسوف يسفعه الله بناصيته الكاذبة الخاطئة. وإذا دعا ناديه لنصرته، فسوف يدعو الله الزبانية الموكلين بالعذاب ليتولوا أمرهم.

٥-
تثبيت للنبي عليه السلام في دعوته، فلا محل للخوف من هذا المتعرض والاستجابة لما يقول والاهتمام به. وعليه أن يسجد لله ويتقرب إليه.
والآيات الثلاث الأولى تمهيد لما بعدها على ما هو المتبادر مما هو مستفيض في الأسلوب القرآني. والآيات التالية لها تتضمن مشهداً من مشاهد الدعوة النبوية في الخطوات الأولى حيث تفيد أن زعيماً طاغية تعرّض للنبي عليه السلام حينما رآه يصلي صلاة جديدة، ويدعو إلى الله وتقواه، فضلاً عن تكذيبه للدعوة وإعراضه عنها.
ولقد رويت بعض الأحاديث الصحيحة في مناسبة نزول هذه الآيات. منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس قال :" قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو فعل لاتخذته الملائكة عياناً " ١. ومنها حديث رواه مسلم عن ابن عباس أيضا قال :" وقال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم - يريد على ما يظهر هل يصلي ويسجد - قيل : نعم، فقال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فما فجئهم منه إلا وهو ينكُص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له : ما لك ؟ فقال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهوْلاً وأجنحة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، فأنزل الله : كلا إن الإنسان ليطغى( ٦ ) إلى آخر السورة " ٢.
ومنها حديث رواه الترمذي عن ابن عباس قال :" كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فجاء أبو جهل فقال : ألم أنهك عن هذا ؟ ألم أنهك عن هذا ؟ فزبره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل : إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله : فليدع ناديه ( ١٧ ) سندع الزبانية( ١٨ ) . قال ابن عباس :( فوالله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله )٣.
والحديث الأخير قد يفيد أن الآيات نزلت على دفعات. غير أن الذي نرجحه على ضوء الحديث الثاني أنها نزلت دفعة واحدة. ولا يمنع هذا أن يكون ما روي عن لسان أبي جهل مما ذكره الحديث الأخير صحيحاً من جملة ما قاله وفعله، وحاول أن يفعله فكان كل هذا مناسبة لنزول الآيات جميعها.
وتسمية ( أبي جهل ) تسمية إسلامية، واسم هذا الرجل هو عمرو بن هشام المخزومي وكنيته أبو الحكم. ولقد روى ابن هشام أن أبا سفيان وأبا جهل والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا لرسول الله وهو يصلي في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقالوا لبعضهم : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا غير أنهم عادوا ليلة ثانية، ثم ليلة ثالثة. وذهب الأخنس إلى أبي سفيان فقال له : ما رأيك يا أبا حنظلة فيما سمعت من محمد ؟ قال : والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها وما يراد بها، فقال له : وأنا الذي حلفت به كذلك. ثم خرج حتى أتى أبا جهل فقال : ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : ما سمعت : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف. أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه ؟ و الله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه٤ ؛ حيث يفيد هذا أن موقف أبي جهل كان متأثرا بالاعتبارات الشخصية والأسرية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:موقف الزعامة من النبي
وموقف النبي منها منذ البدء
وفي الآيات وبخاصة في الآيات ( ١٥-١٩ ) تطمين وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم إزاء تعرض الزعيم الطاغية كما هو واضح، وقد ثبت فيه بدون ريب الطمأنينة والقوة والعزم على متابعة مهمته العظمى. ومما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تلا الآيات حتى وصلت إلى مسامع الطاغية، بل من المحتمل القوي أن يكون قذف بها في وجهه مباشرة.
وإذ يتصور المرء النبي صلى الله عليه وسلم يصرخ في وجه هذا الطاغية المعتدّ بماله وقوته وناديه صرخته المدوية ترداداً لوحي الله : كلا كلا، ثم يقذف بكلمات التنديد والتهديد والتحدي والإنذار القرآنية غير مبال بالزعامة وقوتها وهو من دون نصير من الناس، ولم يكن قد آمن به من يستطيع له نصراً ويقف في جانبه، يدرك من دون ريب تلك الشجاعة التي كان يتحلى بها، والتي استمدها من إيمان عميق مستول على مشاعره جعله لا يرى عظمة إلا لله، ولا قوة إلا لله، ولا سلطانا إلا لله، وجعله يرى كل ما عداه أضعف من أن يخشى، وأعجز من أن يستطيع له نفعاً أو ضراً، أو يقف أمام دين الله ويحول دون الدعوة إليه. ويدرك بهذا ما تحلى به من عظمة الخلق، وقوة الجنان، وعمق اليقين، مما كان موضوع ثناء الله في آية القلم : وإنك لعلى خلق عظيم ( ٤ ) .
وفي كل هذا أسوة يجب على المسلمين أن يتأسوا بها وبخاصة الدعاة إلى الإصلاح والمتعرضين للظلم والطغيان ؛ لأن الله سبحانه أمرهم بأن يكون لهم في رسوله الأسوة الحسنة كما جاء في آية سورة الأحزاب هذه : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا( ٢١ ) .
ويتبادر من عنف الآيات وقوتها القارعة أن الحكمة الربانية اقتضت أن يكون الرد على أول متصدّ للنبي صلى الله عليه وسلم من الزعماء الأقوياء بهذا الأسلوب لتثبيت النبي وأصحابه القلائل الذين آمنوا به، ومواجهة الزعيم القوي بقوة وعنف يصدمانه على غير توقع. ولا شك في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تلا الآيات على أصحابه، فقوّت من روحهم، وزادتهم إيماناً، ووصلت إلى صاحبها وناديه فصعقتهم بعنفها، وجعلتهم يشعرون بالقوة الروحية التي يستمد منها النبي، وازداد النبي بهذا وذاك قوة وعزماً على الاستمرار في مهمته، غير مبال بالزعيم القوي وناديه.
على أن جملة : فليدع ناديه تسوغ القول أن أبا جهل لم يكن وحيداً في موقفه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما تدل عليه الآيات التي نزلت بعد هذه الآيات في مناسبات عديدة مبكرة.
وليس بعيداً أن يكون تعبير " ناديه " قد عنى دار الندوة التي كان يجتمع فيها أهل الحلّ والعقد في مكة الذين هم رؤساء الأسر القرشية البارزة، وقد كانت هذه الدار قرب الكعبة، فإذا صح ّهذا فإن من السائغ أن يقال : إن السلطات الرسمية قد رأت في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم علناً بصلاة جديدة لا عهد للناس بها، وفي دعوته الناس جهاراً إلى دين يخالف ما عليه الناس بدعة، ورأت وجوب الوقوف في وجهها، وأنها عمدت إلى أحد أعضائها بتنفيذ ذلك، أو أن هذا العضو كان أشدّ حماساً ضدها من غيره فكان هو المتصدي.
وهكذا ينطوي في الآيات المبكرة جدا في النزول أولى صورة من صور مواقف زعماء مكة الشديدة المناوأة التي تكررت واستمرت إلى أن تم الفتح المكي. وأولى صورة من صور الردّ القرآني المبلغ للرسول والمعلن للناس من قبله على هذه المواقف التي تكررت وحكاها القرآن المكي في مختلف أدوار التنزيل. وفي الرد القرآني المنطوي في آيات السورة تعليل لهذا الموقف وقد انطوى في الردود القرآنية مثل هذا التعليل أو ما يقاربه. وهو على الأكثر الاستكبار ومكر السيء والاستهتار والاعتداد بالمال والولد والحرص على التقاليد التي كانوا يستمدون منها قوة وجاهاً والحسد والاعتبارات الشخصية والأسرية. ومن ذلك آيات سورة فاطر هذه : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا( ٤٢ ) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ، وآيات سورة الزخرف هذه : وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ( ٣٠ ) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ( ٣١ ) ، وآيات سورة ص هذه : وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَابٌ( ٤ ) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ( ٥ )وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ( ٦ ) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ( ٧ ) أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ( ٨ ) ( ٤-٨ ).
وقد يعني هذا أن الزعماء الذين كان أكثرهم أغنياء وأولو عصبية في الوقت نفسه قد رأوا في الدعوة النبوية تحديا لهم وتهديداً لمركزهم وثرواتهم، فانبروا إلى مناوأتها من أول أيامها، وأدى ذلك إلى نضال طويل مرير مختلف الصور والأشكال بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم مما شغلت حكايته وصوره حيزاً كبيراً من القرآن، وبخاصة المكي منه على ما سوف يأتي متوالياً.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير