قوله : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ .
قال ابن عباس - رضي الله عنه - : من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيراً يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة١.
وفي بعض الحديث :«أن الذرة لا زنةَ لهَا »، وهذا مثل ضربه الله تعالى أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة ولا كبيرة، وهو مثل قوله تعالى : إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [ النساء : ٤٠ ] وقد تقدم أن الذر لا وزن له.
وذكر بعض أهل اللغةِ أن الذَّرَّ : أن يضرب الرَّجل بيده على الأرض، فما علق بها من التراب فهو الذَّر، وكذا قال ابن عباس : إذا وضعت يدك على الأرض، ورفعتها، فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة٢.
وقيل : الذر نملة صغيرة، وأصغر ما تكون إذا مضى عليها حول.
قال امرؤ القيس :[ الطويل ]
| ٥٢٦٦- مِنَ القَاصِراتِ الطَّرفِ لوْ دَبَّ مُحوِلٌ | مِنَ الذَّرَّ فوْقَ الإتْبِ منْهَا لأثَّرَا٣ |
قال أبو إدريس : إن مصداقه في كتاب الله : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [ الشورى : ٣٠ ].
قال مقاتل : نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ [ الإنسان : ٨ ]، كان أحدهم يأتيه السائلُ، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذَّنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة، ويقول : إنما أوعد الله النَّار على الكبائر، فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنه يوشك أن يكثر، وتحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم :«اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشقِّ تَمرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلمَةٍ طيِّبةٍ ».
فصل في قراءة «يره »
قوله : يَرَهُ ، جواب الشرط في الموضعين.
وقرأ هشام : بسكون١ هاء «يَرَهُ » وصلاً في الحرفين، وباقي السبعة : بضمها موصولة بواو وصلاً، وساكنة وقفاً، كسائر «ها » الكناية.
ونقل أبو حيان٢ عن هشام وأبي بكر : سكونها.
وعن أبي عمرو : بضمها مشبعتين، وباقي السبعة بإشباع الأولى وسكون الثانية انتهى.
وكان ذلك لأجل الوقف على آخر السورة غالباً، أما لو وصلوا آخرها بأول «العَادِيَات » كان الحكم الإشباع، وهذا مقتضى أصولهم، وهو المنقول.
وقرأ العامة :«يَرَهُ » مبنياً للفاعل فيهما.
وقرأ ابن عبَّاسٍ والحسن ابنا علي بن٣ أبي طالب، وزيد بن علي وأبو حيوة وعاصم والكسائي في رواية الجحدريِّ والسلمي وعيسى بن عمر : بضم الياء، أي : يريه اللهُ إياه.
قال القرطبيُّ٤ : والأولى الاختيار، لقوله تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً [ آل عمران : ٣٠ ].
وقرأ عكرمة :«يَرَاه »٥ بالألف، إما على تقدير الجزم بحذف الحركة المقدرة، وإما على توهم أن «من » موصولة. وتقدم هذا في أواخر «يوسف ». ومعنى «يره » أي : يرى جزاءه ؛ لأن ما عمله قد مضى وعدم.
وحكى الزمخشري٦ أن أعرابياً أخر :«خَيْراً يرهُ »، فقيل له : قدمت وأخرت ؛ فقال :[ الطويل ]
| ٥٢٦٧- خُذَا جَنْبَ هَرْشَى أو قَفَاهَا فإنَّهُ | كِلاَ جَانِبَيْ هَرْشَى لهُنَّ طَريقُ٧ |
يريد : أن التقديم والتأخير سواء، وهذا لا يجوز - ألبتة - فإنه خطأ، فلا يعتمد به قراءة. وفي نصب «خيراً، وشراً »، وجهان :
أظهرهما : أنهما تمييز لأنه مقدار.
والثاني : أنهما بدلان من مثقال.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال ابن مسعود - رضي الله عنه - : هذه أحكم آية في القرآن وأصدق٨. وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم ومن لم يقل به.
قال كعبُ الأحبار - رضي الله عنه - : لقد أنزل الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم آيتين، أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ٩. [ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي هذه الآية الجامعة الفاذّة ]١٠.
روى مالك في «الموطأ » : أن مسكيناً استطعم عائشة - رضي الله عنها - وبين يديها عنب، فقالت لإنسان : خذ حبة وأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويتعجب، فقالت عائشة : أتعجب، كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة١١.
٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/١٠٣)..
٣ تقدم..
٤ ينظر القرطبي (٢٠/١٠٣)..
٥ سقط من أ..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٦٢)، من حديث أنس وذكره الهيثمي في "مجمع الزاوئد" (٧/١٤٤-١٤٥)، وقال رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه موسى بن سهل والظاهر أنه الوشاء وهو ضعيف. والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٤٦)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في "تاريخه" وابن مردويه والبيهقي في "شعب الإيمان".
وله شاهد من حديث أبي أسماء الرحبي أخرجه الحاكم (٢/٥٣٢-٥٣٣)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي فقال: مرسل.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٤٦)، وزاد نسبته إلى إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد وابن مردويه.
وللحديث شاهد آخر عن أبي أيوب ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٤٦)، وعزاه إلى ابن مردويه.
وللحديث شاهد أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص دون ذكر الأكل أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٦٣)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٤٦)، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا في "كتاب البكاء" والطبراني وابن مردويه والبيهقي في "شعب الإيمان".
وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٤٤)، وقال رواه الطبراني وفيه حيي بن عبد عبد الله المعافري وثقه ابن معين وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح. وحيي بن عبد الله ليس في إسناد الطبري..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود