وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه لما نزلت ويطعمون الطعام عل حبّه كان المسلمون يرون أنهم يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوا، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير الكذبة والنظرة وأشباه ذلك، وإنما وعد الله على الكبائر، فأنزل الله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرّة الآية، أي وزن نملة صغيرة، أو أصغر من نملة خيراً تميز المثقال ذرة يره قرأ هشام بإسكان الهاء في الموضعين والباقون بالإشباع فيهما، أي يرى جزاءه، قال مقاتل : يرغبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنه يوشك أن يكبر. قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل )١ متفق عليه، وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق " ٢ رواه مسلم، وهذه الآية حجة لأهل السنة على المعتزلة أن المؤمن -وإن كان مرتكبا للكبائر - لا يخلد في النار ؛ بل يصير عاقبته إلى الجنة، فإن الله وعد بإيفاء الجزاء على مثقال ذرة من الخير، والخلف عن وعد الله محال، والإيمان نفسه رأس الخيرات، وأساس العبادات كلها، فكيف يتلاش بارتكاب المعاصي، ومحل رؤية الجزاء إنما هو الجنة، فالمؤمن - وإن كان فاسقا، ومات من غير توبة - يصير لا محالة إلى الجنة، وعليه انعقد الإجماع، وبه تواترت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يخرج من النار من قالها وفي قلبه وزن ذرة من خير ومن إيمان " ٣ متفق عليه من حديث أنس، وعند مسلم عن عثمان بلفظ " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة "، وعنده عن جابر بلفظ " من مات يشرك بالله دخل النار، ومن مات لا يشرك بالله دخل الجنة "، وعنده عن عبادة بن الصامت بلفظ " من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم الله عليه النار "، وكذا عن أنس، وعن عتبان بن مالك في الصحيحين، وعن عمر عند الحاكم، وعن معاذ عند مسلم، وعنده عن ابن مسعود بلفظ " لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان "، يعني حرم الله عليه النار المؤبد، ولا يدخل نارا مقدر الخلود فيه، وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من عبد قال : لا إله إلا الله ثم مات على ذلك دخل الجنة، قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق ؟ قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق ؟ قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر " ٤ متفق عليه، وعند أحمد والبزار والطبراني مثله، قال السيوطي : الأحاديث في ذلك كثيرة زائدة على التواتر. فإن قيل : هذه الآية تشتمل من عمل صالحا -كإنفاق وصلة الرحم ونحو ذلك - من الكفار مع دلالة النصوص والإجماع على خلودهم في النار ؟ قلنا : الآية لا تشملهم ؛ لأن شرط إتيان الحسنات الإيمان بالله، وإخلاص العمل له تعالى، قال عليه الصلاة والسلام :" إنما الأعمال بالنيات " ٥، فإذا فات منهم شرط فات المشروط، فمثل حسناتهم كمثل صلاة بلا وضوء، فإنها ليست بصلاة حقيقة ؛ بل يعد استهزاء ومعصية، ومن ثم قال العلماء : إنه من نذر بالصلاة أو بالصوم أو بالاعتكاف في حالة الكفر ثم أسلم لا يجب عليه الوفاء ؛ لأن الصلاة والصوم والاعتكاف من الكافر ليس لله خالصا فهي كفر معصية ليس من الطاعة في شيء، ولا نذر بالمعصية، و أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب ٦.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب طلاقه الوجه عند القاء (٢٦٢٦)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: زيادة الإيمان ونقصانه (٤٤)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١٩٣)..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: اللباس، باب: الثياب البيض (٥٨٢٧)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات مشركا دخل النار (٩٤)..
٥ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (١)..
٦ سورة النور، الآية: ٣٩..
التفسير المظهري
المظهري