قال مقاتل بن سليمان: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ كلّ شيء في القرآن تنزيه نزّه نفسه مِن السوء؛ إلا أوَّل بني إسرائيل: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] يقول: عجب، و﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْواجَ﴾ [يس:٣٦] يعني: عجب الذي خلق الأزواج، وقوله: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم:١٧] يقول: صلُّوا لله، ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ نزّه الرّبُّ نفسه عن قولهم البهتان ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ معه، فنزّه الرّبُّ نفسه أن يكون له شريك، فقال: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ معه غيره أن يكون له شريك
قال مقاتل بن سليمان: يقول الله تعالى: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ وذلك حين كُتمت الأَلسُن في سورة الأنعام، وخَتم الله عليها في سورة ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾، فقال: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ [يس:٦٥]. فنَطقت الجوارح، وشَهدت على الأَلسُن بالشِّرك في هذه السورة، فلا شاهد أفضل من نفسك، فذلك قوله -تبارك وتعالى-: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ يعني: جسده وجوارحه شاهدة عليه بعمله، فذلك قوله -تبارك وتعالى-: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] يعني: شاهدًا
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: لَمّا أنزل الله: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الإسراء:٣٤]، و﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى﴾ [النساء:١٠] الآيتين؛ انطَلَق مَن كان عنده يتيمٌ، فعَزَلَ طعامَه من طعامِه، وشرابَه مِن شرابِه، فجعل يَفْضُلُ له الشيء من طعامه، فيجلس له حتى يأكله، أو يفسد فيُرْمى به، فاشْتَدَّ عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾. فخلطوا طعامَهم بطعامهم، وشرابَهم بشرابهم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، يعني: يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال، ولا حرام، ولا حكم، ولا حَدٌّ، ولا فريضة، غير آيتين من آخر سورة النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [النساء:١٧٦]. ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يعني: شرائع دينكم، أمر الحلال والحرام؛ وذلك أنّ الله -جَلَّ ذِكْرُه- كان فَرَض على المؤمنين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، والإيمان بالبعث، والجنة، والنار، والصلاة ركعتين غدوة، وركعتين بالعشي، شيئًا غير مُؤَقَّت، والكف عن القتال قبل أن يُهاجِر النبي ﷺ، وفُرضت الصلوات الخمس ليلة المِعْراج وهو بعدُ بمكة، والزكاة المفروضة بالمدينة، ورمضان، والغُسل من الجنابة، وحج البيت، وكل فريضة، فلما حجَّ حجة الوداع نزلت هذه الآية يوم عرفة، فبَرَكَت ناقة النبي ﷺ؛ لنزول الوحي بجَمْع، وعاش النبي ﷺ بعدها إحدى وثمانين ليلة، ثم مات يوم الاثنين لليلَتَيْن خَلَتا من شهر ربيع الأول، وهي آخر آية نزلت في الحلال والحرام
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: ‹ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أن يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اللهِ›. وقال: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله﴾ فنفى المشركين من المسجد، ﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾ يقول: مَن وحَّد الله، وآمَن بما أنزَل الله، ﴿وأقام الصلاة﴾ يعني: الصلواتِ الخمس، ﴿ولم يخش إلا الله﴾ يقول: لم يعبُدْ إلا الله، ﴿فعسى أولئك﴾ يقولُ: أولئك هم المهتدون. كقولِه لنبيِّه ﷺ: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء:٧٩]. يقول: إنّ ربَّك سيبعثُك مقامًا محمودًا، وهي الشفاعةُ، وكلُّ ﴿عسى﴾ في القرآنِ فهي واجبة
عن الحارث العُكْلِيِّ، قال: قال لي عامر الشعبي: كيف كان كتاب النبي ﷺ إليكم؟ قلت: «باسمك اللهم». فقال: ذاك الكتاب الأول، كتب النبي ﷺ: «باسمك اللهم». فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت: ﴿بسم الله مجراها ومرساها﴾ [هود:٤١]؛ فكتب: «بسم الله». فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ [الإسراء:١١٠]؛ فكتب: «بسم الله الرحمن» فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري، ثم نزلت: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾؛ فكتب بذلك
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله عز وجل: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ إلى آخر الآية، ثم قرأ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِيها وهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]. وقرأ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ [الشورى:٢٠]. وقرأ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ إلى آخر الآية [الإسراء:١٨]، وقال: هؤلاء الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا
علَّق ابنُ كثير (١٠/٣٦٨) على قول الضحاك، وقتادة، والسدي بقوله: «وهذا شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى أن قالوا: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء:٩٠-٩٢]، وقوله: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هُوَ الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، وهكذا قال هؤلاء الكفرة الجهلة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾»
قال مقاتل بن سليمان: ثم بيَّن على من يُنفَق، فقال: النفقة ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ يقول: حُبِسوا. نظيرها: ﴿فإن أحصرتم﴾ [البقرة:١٩٦]، يعني: حُبِستم، وأيضًا: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾ [الإسراء:٨]، يعني: محبسًا، ﴿الذين أحصروا﴾ حَبَسوا أنفسهم بالمدينة في طاعة الله عز وجل، فهم أصحاب الصُّفَّة... منهم ابن مسعود، وأبو هريرة، والموالي أربعمائة رجل، لا أموال لهم بالمدينة، فإذا كان الليل آوَوْا إلى صُفَّة المسجد، فأمر الله عز وجل بالنفقة عليهم، ﴿لا يستطيعون ضربا في الأرض﴾ يعني: سيرًا، كقوله سبحانه: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ [النساء:١٠١]، يعني: إذا سرتم في الأرض، يعني التجارة
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿ولقد جاءتهم رُسُلُهُم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين﴾، قال: نَفَذ عِلْمُه فيهم أيُّهم المطيع مِن العاصي، حيثُ خلَقهم في زمان آدم. قال: وتصديقُ ذلك حين قال لنوح: ﴿يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾ [هود:٤٨]. ففي ذلك قال: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾ [الأنعام:٢٩]. وفي ذلك: ﴿وما كُنّا معذبين حتىَّ نبعث رسولا﴾ [الإسراء:١٥]