قال ابنُ جرير (٣/٩٢): «مَن فعل هذه الأشياء فهم الذين صَدَقوا الله في إيمانهم، وحَقَّقوا قولهم بأفعالهم، لا مَن ولّى وجهه قِبَل المشرق والمغرب وهو يخالف الله في أمره، وينقض عهده وميثاقه، ويكتم الناسَ بَيانَ ما أمره الله ببيانه، ويكذِّب رسله». وقال ابنُ عطية (٢/٤٢٢): «وصف تعالى أهلَ هذه الأفعال البَرَّة بالصدق في أمورهم، أي: هم عند الظن بهم والرجاء فيهم، كما تقول: صدقني المال، وصدقني الربح. ومنه: عود صِدْق. وتحتمل اللفظةُ أيضًا صدق الإخبار»
عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، أنّ رسول الله ﷺ قال: «ادخلوا عليَّ، ولا يدخل عَلَيَّ إلا قُرَشِيّ». فقال: «يا معشر قريش، أنتم الولاة بعدي لهذا الدِّين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة»
عن قتادة بن دعامة: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، قال: الصدقة التي فيه. ذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ سنَّ فيما سقَتِ السماء، أو العين السائحة، أو سقى السَّيلُ، أو كان بَعْلًا؛ العشرَ كاملًا، وفيما سُقِي بالرِّشاءِ نصفَ العشر، وهذا فيما يُكالُ مِن الثمر. قال: وكان يقال: إذا بلَغتِ الثمرة خمسةَ أوسُق -وهو ثلاثُمائة صاع- فقد حقَّتْ فيه الزكاة. قال: وكانوا يَستحِبُّون أن يُعْطِيَ مِمّا لا يُكالُ مِن الثمرة على نحوِ ما يُكالُ منها
عن ابن معيقيب -من طريق عامر بن إبراهيم بن يعقوب، عن أخيه أبي بكر- قال: يُنادِي مُنادٍ يومَ القيامة من السماء: رحمتي وسعت كل شيء. قال: فيطمع فيها البرُّ والفاجرُ، ثم ينادي: رحمتي وسعت كل شيء. فيطمع فيها البرُّ والفاجرُ، ثم ينادي: رحمتي وسعت كل شيء. فيطمع فيها البرُّ والفاجر، ثم ينادي: ﴿رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾. قال: فيطمع فيها أهلُها، ويَيْأَس مَن ليس لها بأهل
قال مقاتل بن سليمان: ﴿في المهد﴾ يعني: في حِجْر أمه ملفوفًا في خِرَق ﴿صبيا﴾، فدنا زكريا من الصبي، فقال: تكلَّم -يا صبيُّ- بعذرك إن كان لك عذر. ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أينما كنت وأَوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ مادُمْتُ حَيًّا (٣١) وبَرًّا بِوالِدَتِي ولم يجعلني جبارا شقيا﴾. فلمّا ذكر الوالدة ولم يذكر الوالد ضَمَّه زكريا إلى صدره، وقال: أشهد أنّك عبدُ الله ورسوله
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: قال في المجادلة: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأَطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فنَسختْها الآية التي بعدها، فقال: ﴿أأَشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾
اختلف المفسرون في الحال التي يُلزَم فيها الشاهدان باليمين في هذه الآية عند وقوع الريبة في شهادتهما على قولين: الأول: أن ذلك إذا شهدا على الميت أنه أوصى بما يخالف أحكام الإسلام من وصية بماله كله أو تفضيل لبعض ورثته على بعض. وهو قول عبد الله بن عباس من طريق عطية العوفي، وقول السدي. والثاني: أنّ ذلك إذا ادعيا أنّ الميت أوصى لهما ببعض المال. وهو قول يحيى بن يعمر. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٨٦-٩٤) مستندًا إلى السنة، وأقوال السلف، والدلالة العقلية أنّ اليمين يلزمهما إذا اتهمهما أهل الميت بالخيانة فيما دَفع إليهما الميت من ماله، أو بغير ذلك مما لا تبرأ ذمتهما منه إلا باليمين. وانتَقَد القولين الأولين، فقال: «وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة لأنّا لا نعلم من أحكام الإسلام حكمًا يجب فيه اليمين على الشهود ارتيب بشهادتهما أو لم يرتب بها، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرًا لذلك، ولا صحَّ بخبر عن الرسول ﷺ، ولا بإجماع من الأمة، لأنّ استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى، فيكون أصلا مسلَّمًا. والمقول إذا خرج من أن يكون أصلًا أو نظيرًا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة كان واضحًا فساده، وإذا فسد هذا القول بما ذكرنا فالقول بأنّ الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادَّعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله أفسد من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أن من حكم الله تعالى أن مُدَّعِيا لو ادَّعى في مال ميتٍ وصية، أنّ القول قول ورثة المدَّعى في ماله الوصية مع أيمانهم، دون قول مُدَّعِي ذلك مع يمينه، وذلك إذا لم يكن للمدَّعِي بينة. وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما، وإنما نقل الأيمان عنهم إلى أولياء الميت إذا عثر على أن الشهود استحقوا إثمًا في أيمانهم، فمعلوم بذلك فساد قول من قال: ألزم اليمين الشهود لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت في ماله، على أنّ ما قلنا في ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذي وردت به الأخبار عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنّ رسول الله ﷺ قضى به حين نزلت هذه الآية بين الذين نزلت فيهم وبسببهم». ثم نقل الأحاديث الواردة في قصة تميم الداري وعدي بن بدّاء. وذكر ابنُ عطية (٣/٢٨٧) أن قوله تعالى: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به، ثم قال: «ومتى لم يقع ارتياب ولا اختلاف فلا يمين، أما أنه يظهر من حكم أبي موسى تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها وإن لم يرتب، وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة تترتب في الخيانة وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهما دون بعض وتقع مع ذلك اليمين عنده، وأما من يرى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلا بأن يكون الارتياب في خيانة أو تعدٍّ بوجه من وجوه التعدي، فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكِر، لا على أنه تكميل للشهادة»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ﴾، وذلك أنّ النبيَّ ﷺ أمَر الناسَ بالصدقة وهو يريد غَزاة تبوك، وهي غَزاة العسرة، فجاء عبدُ الرحمن بن عوف الزُّهْرِيُّ بأربعة آلاف درهم، كلُّ دِرهم مِثقال، فقال النبيُّ ﷺ: «أكْثَرْتَ، يا عبد الرحمن بن عوف، هل تَرَكْتَ لأهلك شيئًا؟». قال: يا رسول الله، مالي ثمانيةُ آلاف، أمّا أربعة آلاف فأَقْرَضتُها ربي، وأما أربعةُ آلافٍ الأُخْرى فأَمْسَكْتُها لنفسي. فقال له النبيُّ ﷺ: «بارَكَ اللهُ لك فيما أعْطَيْتَ، وفيما أمْسَكْتَ». فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن حتى إنّه يوم مات بلغ ثُمُنُ مالِه لامرأتيه ثمانين ومائة ألف، لِكُلِّ امرأة تسعون ألفًا، وجاء عاصِمُ بنُ عَدِيٍّ الأنصاريُّ مِن بني عمرو بن عوف بسبعين وسقًا مِن تمر، وهو حِمْلُ بعير، فنَثَرَه في الصدقة، واعتذر إلى النبيِّ ﷺ مِن قِلَّته، وجاء أبو عقيل بن قيس الأنصاري مِن بني عمرو بصاع فنثره في الصدقة، فقال: يا نبيَّ الله، بِتُّ ليلتي أعمل في النخل أجُرُّ بالجرير على صاعين، فصاعٌ أقرضته ربي، وصاعٌ تركته لأهلي، فأحببتُ أن يكون لي نَصِيبٌ في الصدقة. ونَفَرٌ مِن المنافقين جُلُوس، فمَن جاء بشيءٍ كثير قالوا: مُراءٍ. ومَن جاء بقليل قالوا: كان هذا أفقرَ إلى ماله. وقالوا لعبد الرحمن وعاصم: ما أنفقتم إلا رياءً وسمعة. وقالوا لأبي عقيل: لقد كان الله ورسولُه غَنِيَّيْنِ عن صاع أبي عقيل. فسَخِروا وضَحِكُوا منهم؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المطوعين من المؤمنين في الصدقات﴾
عن زيد بن أسلم -من طريق محمد بن عجلان- في قول الله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، قال: هو كقول الرجل: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا، أخرجني الله من مالي إن لم آتِك غدًا. فهو هذا، ولا يترك الله له مالًا ولا ولدًا. يقول: لو يؤاخذكم الله بهذا لم يترك لكم شيئًا
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده-: أنّ نفرًا من الصحابة حين أُمِروا بالنفقة في سبيل الله أتَوُا النبيَّ ﷺ، فقالوا: إنّا لا نَدْرِي ما هذه النفقة التي أُمِرْنا بها في أموالنا، فما نُنفِقُ منها؟ فأنزل الله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾. وكان قبل ذلك يُنفِقُ ماله حتى ما يَجِدُ ما يَتَصَدَّق به ولا ما يأكل، حتى يُتَصَدَّقَ عليه