عن أنس بن مالك، قال: كنتُ أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأَدركه أعرابيٌّ، فجَبذه بردائه جَبذة شديدة، حتى نظرتُ إلى صفْحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثّرت بها حاشية البُرد مِن شدة جَبْذته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي مِن مال الله الذي عندك. فالتفتَ إليه رسول الله ﷺ، ثم ضحك، ثم أمَر له بعطاء
عن كعب [الأحبار] -من طريق سمرة- قال: كان إسماعيل -نبي الله الذي سماه الله- صادقَ الوعد، وكان رجلًا فيه حِدَّة، يُجاهد أعداء الله، ويعطيه الله النصرَ عليهم والظَّفَر، وكان شديدَ الحرب على الكفار، لا يخاف في الله لومة لائم، صغيرَ الرأس، غليظَ العنق، طويلَ اليدين والرجلين، يضرب بيديه ركبتيه وهو قائم، صغيرَ العينين، طويلَ الأنف، عريضَ الكتف، طويلَ الأصابع، بارزَ الخَلْق، قويًّا، شديدًا، عنيفًا على الكفار، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكانت زكاتُه القربانَ إلى الله مِن أموالهم، وكان لا يَعِدُ أحدًا شيئًا إلا أنجزه، فسمّاه الله: صادق الوعد
قال ابنُ جرير (٥/٥) مستندًا إلى أقوال السّلف في تأويل الآية: «يعني بذلك -تعالى ذكره-: الشيطان يعدكم أيها الناس بالصدقة وأدائكم الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم أن تفتقروا، ﴿ويَأْمُرُكُمْ بِالفَحْشاءِ﴾ يعني: ويأمركم بمعاصي الله عز وجل، وترك الصلاةِ وطاعتِه، ﴿واللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ يعني: أنّ الله عز وجل يعدكم -أيها المؤمنون- أن يستر عليكم فحشاءكم بِصَفْحِهِ لكم عن عقوبتكم عليها، فيغفر لكم ذنوبكم بالصدقة التي تتصدقون، ﴿وفَضْلًا﴾ يعني: ويعدكم أن يُخْلِفَ عليكم من صدقاتكم، فَيُفْضِل عليكم من عَطاياه، ويُسْبِغ عليكم في أرزاقكم»
عن لَيْث [بن أبي سُلَيم] -من طريق جرير بن عبد الحميد-، قال: صَحِب رجلٌ عيسى ابن مريم، فانطلقا، فانتَهَيا إلى شَطِّ نهرٍ، فجلسا يتغدَّيان ومعهما ثلاثةُ أرْغِفَة، فأكلا رغيفين، وبقي رغيف، فقام عيسى إلى النهر يشرب، ثم رجع فلم يجد الرغيف، فقال للرجل: مَن أكل الرَّغيف؟ قال: لا أدري. فانطلق معه، فرأى ظَبْيَةً معها خِشْفان، فدعا أحدَهما، فأتاه، فذبحه، واشتوى، وأكلا، ثم قال للخَشْفِ: قُمْ بإذن الله. فقام، فقال للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآيةَ، مَن أكل الرغيف؟ قال: لا أدري. ثُمَّ انتهيا إلى البحر، فأخذ عيسى بيد الرَّجُلِ فمشى على الماء، ثم قال: أنشُدُك بالذي أراك هذه الآية، مَن أخذ الرّغيف؟ قال: لا أدري. ثُمَّ انتهيا إلى مغارةٍ، وأخذ عيسى ترابًا وطِينًا، فقال: كُن ذهبًا بإذن الله. فصار ذهبًا، فقسمه ثلاثة أثلاث، فقال: ثلث لك، وثلث لي، وثلث لمن أخذ الرَّغيف. قال: أنا أخذتُه. قال: فكُلُّه لك. وفارقه عيسى، فانتهى إليه رجلان، فأرادا أن يأخذاه ويقتلاه، قال: هو بيننا أثلاثًا، فابعثوا أحدكم إلى القرية يشتري لنا طعامًا. فبعثوا أحدهم، فقال الذي بُعِث: لأيِّ شيء أُقاسِمُ هؤلاء المالَ؟ ولكن أضع في الطعام سُمًّا، فأقتلهم. وقال ذانِكَ: لأيِّ شيءٍ نُعْطِي هذا ثُلُثَ المال؟ ولكن إذا رجع قتلناه. فلمّا رجع إليهم قتلوه، وأكلا الطعام فماتا، فبقي ذلك المال في المغارة، وأولئك الثلاثة قتلى عنده
قال يحيى بن سلّام: قال الحسن: يعني: مَثَلُهم كمَثَل رجل يمشي في ليلة مظلمة، في يده شُعْلَة من نار، فهو يُبْصِر بها موضع قدميه، فبينما هو كذلك إذ أُطْفِئَت ناره؛ فلم يُبْصِر كيف يمشي، وإنّ المنافق تكلم بقول: لا إله إلا الله؛ فناكح بها المسلمين، وحَقَن دمه وماله، فلمّا كان عند الموت سلبه الله إياها. قال يحيى: لأنه لم يكن لها حقيقة في قلبه
عن أبي موسى الأشعري، قال: كُنّا نقرأ سورة نُشَبِّهُها في الطُّول والشِّدة ببَراءَة، فأُنسِيتُها، غير أنِّي حفظتُ منها: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأُ جوفَه إلا التراب). وكنا نقرأ سورةً نُشَبِّهها بإحدى المُسَبِّحات، أولها: (سبح لله ما في السموات)، فأُنْسِيناها، غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتُسألون عنها يوم القيامة)
قال مالك بن أنس -من طريق عبد الله-: الأمرُ الذي يكون فيه الحكمان إنّما ذلك إذا قَبُح ما بين الرجل وامرأته، حتي لا يثبت بينهما بيِّنة، ولا يُستطاع أن يُتخلَّص إلى أمرهما، فإذا بلغ ذلك بعث الوالي رجلًا من أهل زوجها ورجلًا من أهلها عَدْلَيْن، فينظران في أمرهما، واجتهدا، فإن استطاعا الصلح أصلحا بينهما، وإلا فَرَّقا بينهما، ثم يجوز فراقهما دون الإمام، وإن رأيا أن يأخذا له من مالها حتي يكون خُلْعًا فَعَلا
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ إلى قوله: ﴿على شيء مما كسبوا﴾، أما الصفوان الذي عليه تراب فأصابه المطر فذهب ترابه فتركه صلدًا، فكذا هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس، ذهب الرياء بنفقته، كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا، فتركه نقِيًّا، فكذلك ترَكَه الرياءُ لا يقدر على شيء مما قدَّم؛ فقال للمؤمنين: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ فتبطُل كما بطلت صدقة الرياء
قال عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد-: أمَرَ النبيُّ ﷺ المسلمين أن يجمعوا صدقاتهم، وإذا عبد الرحمن بن عوف قد جاء بأربعة آلاف، فقال: هذا مالي أُقرِضه اللهَ، وقد بقي لي مثلُه. فقال له: «بُورِك لك فيما أعْطَيْتَ، وفيما أمْسَكْتَ». فقال المنافقون: ما أعطى إلا رياءً، وما أعطى صاحبُ الصاعِ إلا رياءً، إن كان اللهُ ورسولُه لَغَنِيَّيْن عن هذا، وما يصنع اللهُ بصاعٍ من شيء
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾، قال: وهذا في الرجل تكون عنده المرأة قد خلا مِن سِنِّها، وهان عليه بعضُ أمرها، فيقول: إن كنتِ راضية من نفسي ومالي بدون ما كنت ترضين به قبل اليوم. فإن اصطلحا من ذلك على أمر الله فقد أحلَّ لهما ذلك، وإن أبَتْ فإنّه لا يصلح له أن يحبسها على الخَسْف