اختُلِف في معنى قوله: ﴿قدم صدق﴾ على أقوال: الأول: الأعمال الصالحة من العبادات. الثاني: السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ. الثالث: شفاعة النبي ﷺ. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/١١١) مستندًا إلى اللغة القولَ الأول الذي قاله عبد الله بن عباس من طريق العوفي، والضحاك بن مزاحم، ومجاهد بن جبر، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: «وذلك أنّه محكيٌّ عن العرب: هؤلاء أهْلُ القَدَم في الإسلام. أي: هؤلاء الذين قدَّموا فيه خيرًا، فكان لهم فيه تقديم. ويقال: له عندي قدم صِدْق، وقدم سوء، وذلك ما قدَّمت إليه من خير أو شر». وعلَّق عليه ابنُ كثير (٧/٣٣٢) بقوله: «وهذا كقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ أجْرًا حَسَنًا ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف:٢-٣]». ورجَّح ابنُ عطية (٤/٤٤٦) القول الثاني الذي قاله عبد الله بن عباس من طريق علي، فقال: «وهو أليق الأقوال بالآية». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ القيم (٢/٣١بتصرف) أنّه لا يعارض بقية الأقوال، فقال: «فإنّه سبق لهم من الله في الذِّكْر الأوَّلِ السعادةُ بأعمالهم على يد محمد ﷺ، فهو خير تَقَدُّم لهم من الله، ثم قدَّمه لهم على يد رسوله، ثم يقدمهم عليه يوم لقائه»
قال مقاتل بن سليمان: ثم استثنى، فقال: ﴿إلا الذين يصلون﴾ يعني: التسعة المرتدين ﴿إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ يعني: عهد؛ خزاعة، وبني خزيمة، وفيهم نزلت: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ [التوبة:٤]، وإن وصل هؤلاء التسعة إلى أهل عهدكم -وهم خزاعة، منهم: هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جُعْشُم، وبنو مُدْلِج، وبنو جَذِيمَة، وهما حيّان من كنانة- فلا تقتلوا التسعة؛ لأنّ النبي ﷺ صالح هؤلاء على أنّ مَن يأتيهم من المسلمين فهو آمن، يقول: إن وصل هؤلاء وغيرهم إلى أهل عهدكم فإنّ لهم مثل الذي لحلفائهم
وسليمان بن يسار -من طريق الزهري-: أنّ السُّنَّة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوزَ المرء، وإعراضَه عن امرأته، في قوله: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا﴾ إلى تمام الآيتين؛ أنّ المرء إذا نَشَز عن امرأته، وآثر عليها، فإنّ من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها، أو تستقر عنده على ما كانت مِن أثَرَةٍ في القسم مِن ماله ونفسه، فإن استقرت عنده على ذلك، وكرهت أن يطلقها، فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك، فإن لم يعرض عليها الطلاق، وصالحها على أن يعطيها من ماله ما ترضاه وتَقَرَّ عنده على الأَثَرَةِ في القسم من ماله ونفسه صلح له ذلك، وجاز صلحها عليه. كذلك ذكر سعيد بن المسيب وسليمان الصلح
عن عبد الله بن مسعود -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿فسالتْ أودية بقدرها﴾ الآية، قال: فمَرَّ السَّيلُ على رأسه مِن التراب والغُثاءِ حتى استقَرَّ في القَرارِ وعليه الزَّبَدُ، فضَرَبَتْه الريحُ، فذهب الزَّبَدُ جفاءً إلى جوانبه، فيَبِس، فلم ينفع أحدًا، وبَقِي الماءُ الذي ينتفع به الناسُ، فشربوا منه، وسَقَوْا أنعامهم، فكما ذهب الزَّبَدُ فلم ينفع، فكذلك الباطلُ يَضْمَحِلُّ يوم القيامة فلا ينفع أهله، وكما نفع الماءُ فكذلك ينفعُ الحقُّ أهله، هذا مَثَلٌ ضربه الله
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ثم أخبر بثوابهم، فقال: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم﴾، يعني: حُسْنى لهم، وهي بلغة العرب. وطوبى: شجرة في الجنة، لو أنّ رجلًا ركب فَرَسًا أو نَجِيبَةً، وطاف على ساقها؛ لم يبلغ المكانَ الذي ركب منه حتى يقتله الهَرَم، ولو أنّ طائرًا طار مِن ساقها لم يبلغ فرعها حتى يقتله الهرم، كلُّ ورقة منها تُظِلُّ أُمَّةً مِن الأمم، على كل ورقة منها مَلَك يذكر الله تعالى، ولو أنّ ورقة منها وُضِعَتْ في الأرض لأضاءت الأرضَ نورًا كما تضيء الشمسُ، تحمل هذه الشجرة لهم ما يشاءون مِن ألوان الحُلِيِّ والثمار غير الشراب
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اقْتَرَب الزَّمانُ لم تكد رُؤْيا المؤمنِ تكْذب، وأصدُقهم رُؤيا أصْدَقُهُم حديثًا، ورؤيا المسلم جزءٌ مِن ستةٍ وأربعين جُزءًا مِن النبوة، والرؤْيا ثلاثٌ: فالرؤيا الصالحةُ بُشرى من الله، والرؤيا مِن تَحْزِين الشيطان، والرؤيا مما يُحَدِّثُ بها الرَّجلُ نفسَه، فإذا رأى أحدُكم ما يكرَهُ فلْيَقُمْ، ولْيَتْفُلْ، ولا يُحدِّثْ به الناسَ، وأحِبُّ القَيْدَ في النوم، وأكره الغُلَّ؛ القَيْدُ ثباتٌ في الدِّين». ولفظُ ابن ماجه: «فإذا رأى أحدُكم رؤيا تُعْجِبه فلْيَقُصَّها إن شاء، وإن رأى شيئًا يكرهُه فلا يقُصَّه على أحد، وليقمْ يصلِّي»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والرقيم﴾ كتابٌ كتبه رجلان قاضيان صالحان، أحدهما ماتوس، والآخر أسطوس، كانا يكتمان إيمانهما، وكانا في منزل دقيوس الجبار، وهو الملك الذي فرَّ منه الفتية، وكتبا أمر الفتية في لوح من رصاص، ثم جعلاه في تابوت من نحاس، ثم جعلاه في البناء الذي سدُّوا به باب الكهف، فقالا: لعل الله عز وجل أن يطلع على هؤلاء الفتية؛ ليعلموا إذا قرأوا الكتاب... ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾، يعني بالرقيم: الكتاب الذي كتبه القاضيان. مثل قوله عز وجل: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين كتاب مرقوم﴾ [المطففين:٧-٩]، يعني: كتاب مكتوب
عن الحسن البصري -من طريق الربيع بن صَبِيح- قال: قال رجل: واللهِ، لَأَعْبُدَنَّ الله عبادةً أُذكر بها. فكان لا يُرى في حين صلاةٍ إلا قائمًا يصلي، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، فكان لا يعظم، فمكث بذلك سبعة أشهر، وكان لا يَمُرُّ على قومٍ إلا قالوا: انظروا إلى هذا المُرائي. فأقبل على نفسه، فقال: لا أراني أُذكَر إلا بِشَرٍّ، لأجعلنَّ عملي كله لله عز وجل. فلم يَزِد على أن قَلَبَ نِيَّتَه، ولم يزِدْ على العمل الذي كان يعمله، فكان يَمُرُّ بعدُ بالقوم فيقولون: رَحِم الله فلانًا الآن. وتلا الحسن: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق عبد القدوس، عن أبي صالح- في قوله: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [الروم:٥٢]، ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِي القُبُورِ﴾، قال: كان النبي ﷺ يقف على القتلى يوم بدر، ويقول: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ يا فلان، يا فلان، ألم تكفرْ بربك؟ ألم تكذِّب نبيك؟ ألم تقطع رَحِمَك؟». فقالوا: يا رسول الله، أيسمعون ما تقول؟ قال: «ما أنتم بأسمع منهم لما أقول». فأنزل الله: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾، ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِي القُبُورِ﴾ مثل ضربه الله للكافر أنهم لا يسمعون لقوله
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح-: لَمّا اشتدّ البلاءُ بأصحاب رسول الله ﷺ رأى في المنام أنّه يُهاجِر إلى أرضٍ ذات نخْل وشجر وماء، فقصّها على أصحابه، فاستبشروا بذلك ورأوا فيها فرَجًا مما هم فيه مِن أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا بُرهة لا يرون ذلك، فقالوا: يا رسول الله، متى نهاجر إلى الأرض التي رأيتَ؟ فسكت رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ يعني: لا أدري أخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أو لا؟ ثم قال: «إنّما هو شيء رأيته في منامي، ما أتَّبِع إلا ما يُوحى إلَيَّ»