عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾، قال: كان مِن بني إسرائيل مَن إذا اجتهد صام مِن الكلام كما يصوم من الطعام، إلا مِن ذكر الله، فقال ذلك لها كذلك، فقالت: إني أصوم من الكلام كما أصوم من الطعام، إلا مِن ذكر الله. فلما كلَّموها أشارت إليه، فقالوا: ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبيا﴾؟! فأجابهم، فقال: ﴿إنِّي عَبْدُاللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَما كُنْتُ وأَوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ مادُمْتُ حَيًّا (٣١) وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا (٣٢) والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾
عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن قال في دُبُر كلِّ صلاة بعدما سلَّم هؤلاء الكلمات كتبه ملَك في رِقٍّ، فخَتَم بخاتم، ثم دفعها إلَيَّ يوم القيامة، فإذا بعث الله العبدُ مِن قبره جاءه الملَك ومعه الكتاب يُنادي: أين أهلُ العهود؟ حتى تدفع إليهم، والكلمات أن تقول: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأنّك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأنّ محمدًا عبدُك ورسولك، فلا تَكِلْني إلى نفسي، فإنك إن تَكِلْنِي إلى نفسي تُقَرِّبْني مِن الشر، وتباعدني مِن الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل رحمت
عن ضمرة بن عبد الله بن أُنَيس، عن أبيه، قال: كنتُ في مجلسٍ من بني سلِمة وأنا أصغرهم، فقالوا: مَن يسأل لنا رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، قال: فخرجتُ، فوافيتُ مع رسول الله ﷺ صلاة المغرب، ثم نمتُ بباب بيته، فمَرّ بي، فقال: «ادخل». فدخلتُ، فأُتي بعشائه، فرأيتني أكفّ عنه مِن قِلّته، فلما فرغ قال: «ناوِلني نعلي». فقام، وقمتُ معه، فقال: «كان لك حاجة؟». فقلتُ: أرسَلني إليك رهطٌ من بني سلِمة يسألونك عن ليلة القدر. فقال: «كم الليلة؟». فقلت: اثنان وعشرون. فقال: «هي الليلة». ثم رجع، فقال: «أو الثالثة». يريد: ليلة ثلاث وعشرين
علَّقَ ابنُ عطية (٣/١١٤-١١٥) على قول زيد بن أسلم والسّدّيّ هذا، فقال: «القَصْدُ بهذا التأويل أن تُعَمَّ الأحداثُ بالذِّكْر، ولا سيما النوم الذي هو مُخْتَلَف فيه هل هو في نفسه حدث؟. وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير، وتقديره: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ من النوم، ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكُمْ مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ يعني: الملامسة الصغرى، ﴿فاغْسِلُوا﴾ فتمت أحكام المحدث حدثًا أصغر، ثم قال: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ فهذا حكم نوع آخر، ثم قال للنوعين جميعًا: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكُمْ مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾»
اختُلف فيما عنى الله بقوله: ﴿والعصر﴾ على أقوال: الأول: الدهر. الثاني: العشي. الثالث: أنها صلاة العصر. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٦١٢) العموم، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ ربّنا أقسم بالعصر، والعصر اسم للدَّهر، وهو العشي والليل والنهار، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دون معنى، فكلّ ما لزمه هذا الاسم فداخل فيما أقسم به -جلّ ثناؤه-». ورجّح ابنُ القيم (٣/٣٦٧) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، فقال: ""وأكثر المفسرين على أنه الدَّهر، وهذا هو الراجح، وتسمية الدَّهر عصرًا معروف في لغتهم، قال:ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما"". وعلّق ابنُ كثير (١٤/٤٥١) فقال: «والمشهور الأول»
عن مقاتل بن حيان -من طريق بكير بن معروف- قال: أخذت هذا التفسير عن مجاهد، والحسن، والضحاك في قول الله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾: أنّ رجلين نصرانيين من أهل دارين -أحدهما تميمي، والآخر يماني- صاحبهما مولًى لقريش في تجارة، فركبوا البحر، ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبَزٍّ ورِقَّة، فمرض القرشي، فجعل وصيته إلى الدارِيَّيْنِ، فمات وقبض الدارِيّان المال والوصية، فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا ببعض ماله، وأنكر القومُ قِلَّة المال، فقالوا للداريين: إنّ صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به، فهل باع شيئًا أو اشترى شيئًا فوضع فيه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا. قالوا: فإنكما خنتمانا. فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى النبي - ﷺ -؛ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى آخر الآية. فلما نزل: أن يحبسا من بعد الصلاة، أمر النبي - ﷺ - فقاما بعد الصلاة، فحلفا بالله رب السموات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنًا قليلًا من الدنيا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، فلما حلفا خُلِّي سبيلهما. ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت، فأخذ الدارِيّان، فقالا: اشتريناه منه في حياته. وكذبا، فكُلِّفا البينة، فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى النبي - ﷺ -؛ فأنزل الله تعالى: ﴿فإن عثر﴾. يقول: فإن اطَّلع ﴿على أنهما استحقا إثما﴾ يعني: الداريين، إن كتما حقًّا ﴿فآخران﴾ من أولياء الميت ن ﴿يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان، فيقسمانبالله﴾ فيحلفان بالله: إنّ مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي يطلب قبل الداريين لحقٌّ، ﴿وما اعتدينا، إنا إذن لمن الظالمين﴾ هذا قول الشاهدين أولياء الميت، ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾ يعني: الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك
عن أبي هريرة، قال: لَمّا نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿لِّلَّهِ ما فِی ٱلسَّمَـٰو ٰتِ وما فِی ٱلۡأرۡضِۗ وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَیَغۡفِرُ لِمَن یَشاۤءُ ویُعَذِّبُ مَن یَشاۤءُۗ وٱللَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ﴾؛ اشْتَدَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ، ثم جثوا على الرُّكَب، فقالوا: يا رسول الله، كُلِّفْنا من الأعمال ما نُطِيق؛ الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أُنزِلت عليك هذه الآية ولا نُطِيقها. فقال رسول الله ﷺ: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهلُ الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟! بل قولوا: ﴿سَمِعۡنا وأَطَعۡناۖ غُفۡرانَكَ رَبَّنا وإلَیۡكَ ٱلۡمَصِیرُ﴾». فلما اقْتَرَأَها القومُ، وذَلَّت بها ألسنتهم؛ أنزل الله في إثرها: ﴿ءامَنَ ٱلرَّسُولُ بِماۤ أُنزِلَ إلَیۡهِ مِن رَّبِّهِۦ﴾ الآية، فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ﴾ إلى آخرها
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق حماد بن سلمة- في قول الله عز وجل: ﴿واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا﴾، قال: سلطانه النصير عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وذلك أن رسول الله ﷺ استعمله على أهل مكة وقال: «انطلق فقد استعملتك على أهل الله» -يعني مكة-، فكان شديدًا على المذنب، ليّنًا للمؤمنين، فقال: لا والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلّا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عنها إلّا منافق، فقال أهل مكة: يا رسول الله تستعمل على هل الله عتّاب بن أسيد أعرابيًّا جافيًا؟ فقال رسول الله ﷺ: «إني رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقه الباب ففتلها فتلًا شديدًا حتّى فتح له، فدخلها فأعز الله به الإسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم، فذلك السلطان النصير»
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ قال: هو الرجل يرمي زوجته بالزِّنا، ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ يعني: ليس للرجل شهداء غيره أنّ امرأته قد زنت، فرفع ذلك إلى الحكام، ﴿فشهادة أحدهم﴾ يعني: الزوج؛ يقوم بعد الصلاة في المسجد فيحلف أربع شهادات بالله، ويقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أنّ فلانة -يعني: امرأته- زانية، ﴿والخامسة ان لعنة الله عليه﴾ يعني: على نفسه؛ ﴿إن كان من الكاذبين﴾ في قوله، ﴿ويدرأ﴾ يدفع الحكام عن المرأة ﴿العذاب﴾ يعني: الحدَّ ﴿أن تشهد أربع شهادات بالله أنه﴾ يعني: زوجها ﴿لمن الكاذبين﴾ فتقوم المرأةُ مقامَ زوجها، فتقول أربع مرات: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أنِّي لست بزانية، وأن زوجي لمن الكاذبين، ﴿والخامسة أن غضب الله عليها﴾ يعني: على نفسها؛ ﴿إن كان﴾ زوجها ﴿من الصادقين﴾
قال محمد بن شهاب الزُّهريّ: قال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ [الممتحنة:٨-٩] نُسختْ، فقال تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ [التوبة:١-٢]، فجعل لهم أجلًا أربعة أشهر يَسيحون في الأرض، ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾ [التوبة:٥]، وقال عز وجل: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة:٦]