عن الحسن البصري، قال: كان بعضُ الجبابرة خَدَّ أخدودًا في الأرض، وجعل فيها النيران، وعرض المؤمنين على ذلك، فمَن تابعه على كُفره خلّى عنه، ومَن أبىَ ألقاه في تلك النار، فجعل يُلقي، حتى أتى على امرأةٍ ومعها بُنَيٌّ لها صغير، وكانت اتَّقَتِ النارَ، فكلّمها الصبيُّ، فقال: يا أُمَّهْ، قَعِي ولا تُنافقي. فأُلقيتْ في النار، واللهِ، ما كانت إلا نقطة مِن نار حتى أفضَوا إلى رحمة الله. قال: الحسن: قال رسول الله ﷺ: «فما ذكرتُ أصحاب الأخدود إلا تعوّذتُ بالله مِن جَهد البلاء»
عن أسماء بنت يزيد الأنصارية، أنّها أتت النبي ﷺ وهو بين أصحابه، فقالت: بأبي أنت وأمي، إنِّي وافِدةُ النساءِ إليك، وأعلم -نفسي لك الفداء- أنّه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمِعَتْ بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأيي، إنّ اللهَ بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنّا بك، وبإلهك الذي أرسلك، وإنّا معشر النساء محصوراتٌ، مقصوراتٌ، قواعِدُ بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملاتُ أولادكم، وإنّكم معاشرَ الرجال فُضِّلْتُم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإنّ الرجل منكم إذا خرج حاجًّا أو معتمرًا أو مُرابِطًا حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربَّيْنا لكم أولادكم، فما نُشارِككم في الأجر، يا رسول الله؟ فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: «هل سمعتم مقالةَ امرأةٍ قطُّ أحسنَ مِن مسألتها في أمر دينها مِن هذه؟». فقالوا: يا رسول الله، ما ظننا أنّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي ﷺ إليها، ثُمَّ قال لها: «انصرفي أيَّتُها المرأة، وأَعْلِمي مَن خلفكِ مِن النساء أنّ حُسْنَ تَبَعُّلِ إحداكُنَّ لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته؛ يعدِلُ ذلك كُلَّه». فأدْبَرَتِ المرأةُ وهي تُهَلِّلُ وتُكَبِّرُ استبشارًا
عن مهدي بن ميمون، قال: سمعت الحسن، وسأله الحسن بن دينار، فقال: يا أبا سعيد، أرأيتَ قول الله للملائكة: ﴿وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾، ما الذي كَتَمَتِ الملائكةُ؟ قال: إنّ الله لَمّا خلق آدمَ رأت الملائكة خَلْقًا عَجَبًا، فكأنهم دخلهم من ذلك شيء. قال: ثُمَّ أقبل بعضهم على بعض، فأَسَرُّوا ذلك بينهم، فقال بعضهم لبعض: ما الذي يُهِمُّكُمْ من هذا الخَلْق؛ إنّ الله لا يَخْلُق خَلْقًا إلا كُنّا أكرم عليه منه. فذلك الذي كَتَمَت
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن كبَّر على سِيفِ البحرِ تكبيرةً رافِعًا بها صوتَه لا يلْتمِسُ بها رياءً ولا سُمْعَةً؛ كَتَبَ الله له رِضوانَه الأكبرَ، ومَن كتب له رِضوانَه الأكبرَ جمَع بينَه وبين محمدٍ وإبراهيمَ في دارِه، ينظرون إلى ربِّهم في جَنَّةِ عَدْنٍ، كما يَنظرُ أهلُ الدنيا إلى الشمسِ والقمرِ في يومٍ لا غَيمَ فيه ولا سحابَ، وذلك قوله: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾. فالحُسنى: لا إله إلا الله. والزِّيادةُ: الجنَّةُ، والنَّظَرُ إلى الرَّبِّ»
قال يحيى بن سلّام: ﴿قال يا نوح إنه ليس من أهلك﴾ الذين وعدتك أن أنجيهم، وكان ابنُه يُظهِر الإيمانَ ويُسِرُّ الشِّرْكَ، ونوحٌ لا يعلم؛ في تفسير الحسن [البصري]، قال الحسن: ولولا ذلك لم يُنادِه وهو يعلم أنّ الله عز وجل مُغْرِقٌ الكُفّارَ، وأنّه قَضى أنّه إذا نزل العذابُ على قوم كذبوا رسولهم ثم آمنوا؛ لم يَقْبَل منهم
عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «صِفتي: أحمدُ المتوكِّلُ، مولدُه بمكَّةَ، ومهاجَرُه بطَيبةَ، ليس بفظٍّ، ولا غليظٍ، يجزِي بالحسنةِ الحسنةَ، ولا يُكافِئُ بالسيئة، أُمَّتُه الحمّادونَ، يأتزِرونَ على أنصافِهم، ويُوَضِّئون أطرافَهم، أناجيلُهم في صدورِهم، يَصُفُّون للصلاة كما يَصُفُّون للقتال، قربانُهم الذي يتقرَّبون به إلَيَّ دماؤهم، رهبانٌ بالليل ليوثٌ بالنَّهار»
عن حصين بن أبي الجميل، قال رجلٌ للحسن البصري: يا أبا سعيد، إنِّي أرى الدارَ فأتمنّى أن تكون لي، والجارية فأتمناها. فقال له الحسن: فلا تفعل؛ فإن الله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر﴾. قال: ينظر له؛ فإن كان الغِنى خيرًا له أغناه، وإن كان الفقر خيرًا له أفقره
ذكر ابنُ عطية (٥/٦١٣) أنّ قوله تعالى: ﴿وكانَ الله﴾ «عبارة للإنسان عن أن الأمر قبل وجود الإنسان هكذا كان إذ كان، إذ نفسه حاكمة بذلك في حال غفلة. هذا قول سيبويه». وعلَّق عليه بقوله: «وهو معنى صحيح». ثم نقل عن الحسن قوله: «كانَ: إخبارٌ عن الحال قبل إيجاد الموجودات، أي: أن القدرة كانت». وعلَّق عليه بقوله: «وهذا أيضًا حسن»
عن الحسن البصري -من طريق مبارك- في قوله: ﴿ولقد عفا عنكم﴾، قال: يقول الله: قد عفوتُ عنكم إذ عصيتموني أن لا أكون استأصلتُكم. ثم يقول الحسن: هؤلاء مع رسول الله ﷺ، وفي سبيل الله، غِضابٌ لله، يُقاتِلُون أعداءَ الله، نُهُوا عن شيء فضيَّعُوه، فواللهِ، ما تُرِكُوا حتى غُمُّوا بهذا الغمِّ؛ قُتِل منهم سبعون، وقُتِل عمُّ رسول الله ﷺ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُه، وشُجَّ في وجهه! فأفسقُ الفاسقين اليومَ يتجرَّأُ على كل كبيرة، ويَرْكَبُ كُلَّ داهية، ويسحب عليها ثيابَه، ويزعم أن لا بأس عليه، فسوف يعلم!
عن أُمِّ هانئٍ، قالت: دخل عَلَيَّ رسول الله ﷺ، فقال: «أبشِري! فإنّ الله عز وجل قد أنزل لأمتي الخير كُلَّه، وقد أنزل: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾». [هود:١١٤] فقالت: بأبي أنت وأمي، ما تلك الحسنات؟ قال: «الصلوات الخمس». ثم دخل عَلَيَّ، فقال: «أبشري! فإنّه قد نزل خيرٌ لا شرَّ بعده». قلت: ما هو، بأبي أنت وأمي؟ قال: «أنزل الله -جلَّ ذِكْرُه-: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾. فقلتُ: يا ربِّ، زِدْ أُمَّتي. فأنزل الله -تبارك اسمه-: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١]. فقلت: يا ربِّ، زِدْ أُمَّتِي. فأنزل الله تعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر:١٠]»