سورة الإسراء — الآية ١

عن عبد الله بن عمرو، وأم سلمة، وعائشة، وأم هانئ، وابن عباس، دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: أُسرِي برسول الله ﷺ ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة مِن شِعبِ أبي طالب إلى بيت المقدس، قال رسول الله ﷺ: «حُمِلتُ على دابة بيضاء بين الحمار وبين البغل، في فخذها جناحان، تَحفِزُ بهما رجليها، فلما دَنَوتُ لأركبها شَمَسَتْ، فوضع جبريل يده على مَعرَفَتِها، ثم قال: ألا تستحيين -يا بُراق- مِمّا تصنعين؟! واللهِ، ما ركب عليك عبد لله قبل محمد أكرم على الله منه. فاستَحيَت حتى ارْفَضَّتْ عَرَقًا، ثم قَرَّت حتى ركَبِتُها، فعمِلَتْ بأُذُنَيها، وقبضت الأرض حتى كان مُنتَهى وقعِ حافِرِها طَرفُها، وكانت طويلة الظهر طويلة الأذنين، وخرج معي جبريل لا يَفُوتُني ولا أفُوتُه، حتى أنتهى بي إلى بيت المقدس، فأتى البُراقُ إلى موقفِه الذي كان يقف، فربطه فيه، وكان مَربِطَ الأنبياء، رأيت الأنبياء جُمِعوا لي، فرأيت إبراهيم وموسى وعيسى، فظننت أنّه لا بد أن يكون لهم إمام، فقدمني جبريل حتى صَلَّيت بين أيديهم، وسألتُهم فقالوا: بُعِثنا بالتوحيد». وقال بعضهم: فُقِد النَّبي ﷺ تلك الليلة، فتَفَرَّقَت بنو عبد المطلب يطلُبونه ويَلتَمِسونه، وخرج العباس حتى إذا بلغ ذا طوى، فجعل يصرخ: يا محمد، يا محمد. فأجابه رسول الله ﷺ: «لبيك». فقال: ابن أخي، عَنَّيت قومك منذ الليلة، فأين كنت؟ قال: «أتيت من بيت المقدس». قال: في ليلتك؟! قال: «نعم». قال: هل أصابك إلا خير؟ قال: «ما أصابني إلا خير». وقالت أم هانئ: ما أُسرِي به إلا من بيتنا، نام عندنا تلك الليلة، صلّى العشاء ثم نام، فلما كان قبل الفجر أنبَهناه للصبح، فقام، فلما صلى الصبح قال: «يا أم هانئ، لقد صلَّيت معكم العشاء كما رأيتِ بهذا الوادي، ثم قد جئت بيت المقدس، فصليت فيه، ثم صليت الغداة معكم». ثم قام ليخرج، فقلت: لا تُحَدِّث هذا الناس فيُكَذِّبوك ويُؤذُوك. فقال: «واللهِ، لَأُحَدِّثَنَّهم». فأخبرَهم، فتعجَّبوا، وقالوا: لم نسمع بمثل هذا قط. وقال رسول الله ﷺ لجبريل: «يا جبريل، إنّ قومي لا يُصَدِّقوني». قال: يُصَدِّقُك أبو بكر، وهو الصِّدِّيق. «وافتتن ناسٌ كثير كانوا قد صلَّوا وأسلَموا، وقمتُ في الحِجر، فجَلّى الله لي بيت المقدس، فطَفِقت أُخبِرُهم عن آياته وأنا أنظر إليه، فقال بعضهم: كم للمسجد من باب؟ ولم أكن عددت أبوابه، فجعلت أنظر إليها، وأعُدُّها بابًا بابًا، وأُعلِمُهم، وأخبرتُهم عن عيرات لهم في الطريق، وعلامات فيها، فوجَدوا ذلك كما أخبرتهم». وأنزل الله: ﴿وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾. قال: كانت رؤيا عين، رآها بعينه

سورة النساء — الآية ٩٧

قال محمد بن إسحاق: كان الفتية الذين قتلوا مع قريش يوم بدر؛ فنزل فيهم القرآن فيما ذكر لنا: ﴿الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا﴾. وذلك أنهم كانوا أسلموا، ولَمّا هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة، وفتنوهم، فافتتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر، فأصيبوا به جميعًا، فهم فِتْيَة مُفْتَنُون، فمن بني أسد بن عبد العُزّى بن قصي: الحارث بن زَمْعَة، وعقيل بن الأسود بن المطلب بن أسد. ومن بني مخزوم: أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة. ومن بني جمح: علي بن أمية بن خلف. ومن بني سهم: العاص بن مُنَبِّه بن الحجاج

سورة النازعات — الآية ٣٧

قال مقاتل بن سليمان: قال: ﴿فَأَمّا مَن طَغى وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ نزلت هذه الآية في النَّضر بن الحارث بن عَلقمة بن كلدة، وفي حبيب بن عبد ياليل، وأُمَيّة بن خلف الجُمحيّ، وعُتْبة وعُتيبة ابني أبي لهب، فهؤلاء كفار، ومنهم مُصعب وأبو [الروم] ابنا عمير، وذلك أنهم وجدوا جزورًا في البَريّة، ضلَّتْ مِن الأعراب، فنَحروها، وجعلوا يَقتسِمونها بينهم، فأصاب مُصعب وأبو [الروم] سهمين، ثم إنّ مُصعب ذكر مَقامه بين يدي ربّ العالمين، فخاف أن يُحاسبه الله تعالى يوم القيامة، فقال: إنّ سهمي وسهم أخي هو لكم. فقال له عند ذلك أُمَيّة بن خلف: ولِمَ؟ قال: إني أخاف أن يُحاسبني الله به. فقال له أُمَيّة بن خلف: هاته، وأنا أحمل عنك هذا الوزر عند إلهك في الآخرة، وفشَتْ تلك المقالة في قريش في أمْر مُصعب؛ فأَنزَل الله تعالى: ﴿فَأَمّا مَن طَغى﴾

سورة الأنفال — الآية ٣٠

عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط -: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، قال: اجتمعت مَشْيَخَةُ قريش يتشاورون في النبي ﷺ بعد ما أسْلَمَت الأنصار، وفَرِقُوا أن يَتَعالى أمرُه إذا وجَد مَلْجَأً لَجَأَ إليه. فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد، فدخل معهم في دار النَّدْوَة، فلَمّا أنكروه قالوا: من أنت؟! فوالله ما كلّ قومنا أعْلَمْناهم مَجْلِسَنا هذا. قال: أنا رجل من أهل نجد، أسمع من حديثكم، وأُشِير عليكم. فاستحيوا، فخَلّوا عنه. فقال بعضهم: خذوا محمدًا إذا اصطبح على فراشه، فاجعلوه في بيت نتربص به رَيْبَ المَنُون -والرَّيْب: هو الموت، والمَنُون: هو الدهر-. قال إبليس: بِئْسَما قلتَ، تجعلونه في بيت فيأتي أصحابه فيخرجونه؛ فيكون بينكم قتال، قالوا: صدق الشيخ. قال: أخْرِجوه من قريتكم. قال إبليس: بِئْسَما قلتَ، تخرجونه من قريتكم وقد أفْسَد سفهاءكم، فيأتي قريةً أخرى فيفسد سفهاءهم، فيأتيكم بالخيل والرجال. قالوا: صدق الشيخ. قال أبو جهل -وكان أوْلاهم بطاعة إبليس-: بل نَعْمِدُ إلى كل بَطْن من بُطُون قريش، فنُخْرِج منهم رَجُلًا، فنعطيهم السلاح، فيَشِدُّون على محمد جميعًا، فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشًا، فليس لهم إلا الدِّيَة. قال إبليس: صدق هذا الفتى، هو أجْوَدُكم رأيًا. فقاموا على ذلك، وأخبر اللهُ رسولَه ﷺ، فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار، ونام عليُّ بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله: ﴿ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾. والإثْبات: هو الحبس والوَثاق، وهو قوله: ﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا﴾ [الإسراء:٧٦]، يقول: يهلكهم. فلَمّا هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة لَقِيَه عمر، فقال له: ما فَعَل القوم؟ وهو يرى أنهم قد أُهْلِكوا حين خَرَج النبي ﷺ من بين أظْهُرهم، وكذلك كان يُصْنَع بالأمم، فقال النبي ﷺ: «أُخِّرُوا بالقتال»

سورة آل عمران — الآية ١٧٤

عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق موسى بن عقبة- قال: إن رسول الله ﷺ استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدرًا، فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا في الناس يخوفونهم، وقالوا: قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل، يرجون أن يواقعوكم فينتهبوكم، فالحذرَ الحذرَ، فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان، فاستجابوا لله وللرسول، وخرجوا ببضائع لهم، وقالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، وإن لم نلقه ابتعنا بضائعنا، وكان بدر متجرًا يُوافى كل عام، فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر، فقضوا منه حاجتهم، وأخلف أبو سفيان الموعد، فلم يخرج هو ولا أصحابه، ومر عليهم ابن حُمام فقال: من هؤلاء؟ قالوا: رسول الله وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومن معه من قريش. فقدم على قريش فأخبرهم، فأرعب أبو سفيان، ورجع إلى مكة، وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة بنعمة من الله وفضل، فكانت تلك الغزوة تدعى غزوة جيش السَّوِيق، وكانت في شعبان سنة ثلاث

سورة النساء — الآية ٥١

عن أبي مالك غَزْوان الغِفارِيِّ -من طريق السدي- قال: لَمّا كان من أمر رسول الله ﷺ واليهود مِن النضير ما كان، حين أتاهم يستعينهم في دِيَة العامريين، فهَمُّوا به وبأصحابه، فأَطْلَع اللهُ رسوله على ما هَمُّوا به من ذلك، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة؛ هرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة، فعاهدهم على محمد، فقال له أبو سفيان: يا أبا سعيد، إنكم قوم تقرأون الكتاب وتعلمون، ونحن قوم لا نعلم، فأخبرنا: ديننا خير أم دين محمد؟ قال كعب: اعرِضوا عليَّ دينكم. فقال أبو سفيان: نحن قوم نَنْحَرُ الكَوْماء، ونسقي الحجيجَ الماء، ونَقْرِي الضيفَ، ونعمر بيت ربِّنا، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتَّبِعه. قال: دينُكم خيرٌ مِن دين محمدٍ؛ فاثبتوا عليه، ألا ترون أنّ محمدًا يزعم أنه بُعِث بالتواضع وهو ينكح من النساء ما شاء، وما نعلم مُلْكًا أعظم من مُلْكِ النساء. فذلك حين يقول: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾ الآية

سورة التوبة — الآية ٣٤

عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: كنتُ في المسجد، فدخل أبو ذر المسجدَ، فصلّى ركعتين عند سارِيَةٍ، فقال له عثمان: كيف أنت؟ قال: بخير، كيف أنت؟ ثم ولّى واستفتح: ﴿ألهاكم التكاثر﴾، وكان رجلًا صلب الصوت، فرفع صوتَه، فارْتَجَّ المسجدُ، ثم أقبل على الناس، فقلتُ: يا أبا ذرٍّ -أو قال له الناس-: حدِّثنا حديثًا سمعتَه من رسول الله ﷺ. فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «في الإبل صَدَقَتُها، وفي الغنم صَدَقَتُها، -قال أبو عاصم: وأظنه قال: في البقر صدقتها-، وفي البَزِّ صَدَقَتُه، وفي الذهب والفِضَّة والتِّبْرِ صَدَقَتُه، ومَن جمع مالًا فلم يُنفقه في سبيل الله وفي الغارمين وابن السبيل كان كَيَّةً عليه يوم القيامة». قلتُ: يا أبا ذرٍّ، اتَّقِ اللهَ، وانظر ما تقول، فإنّ الناس قد كَثُرَتْ الأموال في أيديهم. قال: ابنَ أخي، انتَسِبْ لي. فانتَسَبْتُ له، فقال: قد عرفتُ نسبك الأكبر، أفتقرأُ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فاقرأ: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ إلى آخر الآية. قال: فافْقَهْ إذًا

سورة الشعراء — الآية ٢١٤

تفسير محمد بن السائب الكلبي، قوله عز وجل: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾: أنّ رسول الله ﷺ خرج حتى قام على الصفا، وقريش في المسجد، ثم نادى: «يا صباحاه». ففزِع الناس، فخرجوا، فقالوا: ما لك يا ابن عبد المطلب؟ فقال: «يا آل غالب». قالوا: هذه غالب عندك. ثم نادى: «يا أهل لؤي». ثم نادى: «يا آل كعب». ثم نادى: «يا آل مرة». ثم نادى: «يا آل كلاب». ثم نادى: «يا آل قصي». فقالت قريش: أنذر الرجل عشيرته الأقربين، انظروا ماذا يريد. فقال له أبو لهب: هؤلاء عشيرتك قد حضروا، فما تريد؟ فقال رسول الله ﷺ: «أرأيتم لو أنذرتكم أنّ جيشًا يُصَبِّحونكم، أصدَّقتموني؟». قالوا: نعم. قال: «فإنِّي أنذركم النار، وإني لا أملك لكم مِن الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبًا؛ إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله». فقال أبو لهب: تبًّا لك. فأنزل الله: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾، فتفرَّقَتْ عنه قريشٌ، وقالوا: مجنون يَهْذي مِن أُمِّ رأسه

سورة التوبة — الآية ١٠٧

عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: كان الذين بَنَوْا اثني عشر رجلًا؛ خِذام بن خالد بن عبيد بن زيد، وثعلبة بن حاطب، وهَزّالُ بن أمية، ومُعَتِّب بن قُشَير، وأبو حبيبة بن الأزْعَر، وعَبّادُ بن حُنَيف، وجارية بن عامر، وابناه مُجَمِّعٌ وزيد، ونَبْتَلُ بن الحارث، وبحزج بن عثمان، ووَديعة بن ثابت

سورة التوبة — الآية ١١٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى آخر الآية، وذلك أنّ النبيَّ ﷺ سأل بعد ما افْتَتَحَ مكَّةَ: أيُّ أبويه أحْدَثُ به عهدًا؟ قيل له: أُمُّك آمنةُ بنت وهب بن عبد مناف. قال: «حتى أستغفر لها؛ فقد استغفر إبراهيمُ لأبيه وهو مشرك». فهَمَّ النبيُّ ﷺ بذلك؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾