سورة التوبة — الآية ٢٨

عن أبي هريرة -من طريق حميد بن عبد الرحمن- قال: أنزل اللهُ في العام الذي نبَذ فيه أبو بكرٍ إلى المشركين: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ الآية. فكان المشركون يُوافُون بالتجارة، فيَنتفِعُ بها المسلمون، فلمّا حرَّم اللهُ على المشركين أن يَقْرَبُوا المسجد الحرام؛ وجَد المسلمون في أنفسهم مِمّا قُطِعَ عنهم من التجارة التي كان المشركون يُوافُون بها؛ فأنزل الله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾. فأحلَّ في الآية الأخرى التي تَتبَعُها الجزيةَ، ولم تكن تُؤْخَذُ قبلَ ذلك، فجعلها عِوضًا ممّا منعهم مِن موافاةِ المشركين بتجاراتِهم، فقال: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿صاغرون﴾. فلمّا أحقَّ الله ذلك للمسلمين عرَفوا أنّه قد عاضَهم أفضلَ ممّا كانوا وجدوا عليه ممّا كان المشركون يُوافُون به من التجارة

سورة التوبة — الآية ٦٥

عن كعبِ بنِ مالكٍ، قال: قال مَخشِيُّ بن حُمَيِّرٍ: لَوَدِدْتُ أنِّي أُقاضى على أن يُضربَ كلُّ رجلٍ منكم مائةً مائةً على أن ينجوَ مِن أن يَنزِلَ فينا قرآنٌ. فقال رسول الله ﷺ لعمارِ بن ياسرٍ: «أدركِ القومَ؛ فإنّهم قد احترقُوا، فسَلْهم عمّا قالوا، فإن هم أنكروا وكتَموا فقل: بلى، قد قلتُم كذا وكذا». فأدرَكهم، فقال لهم، فجاءُوا يعتذِرون؛ فأنزل الله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرتُم بَعدَ إيمانِكُم إن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِنكُم﴾ الآية. فكان الذي عفا اللهُ عنه مَخشِيَّ بنَ حُمَيِّرٍ، فتسمّى: عبدَ الرحمنِ، وسأَل اللهَ أن يُقتلَ شهيدًا لا يُعلمُ بمقتَلِه، فقُتِل يومَ اليمامةِ لا يُعلمُ مقتلُه، ولا مَن قتَلَه، ولا يُرى له أثرٌ ولا عَينٌ

سورة المائدة — الآية ٣٣

عن أبي الزناد، -من طريق ابنه عبد الرحمن- قال: أُتي عبد الحميد وهو أميرٌ على العراق بثلاثة نفر قد قطعوا الطريق، وخَذَمُوا بالسيوف، فأشار عليه ناس بقتلهم، فاستشارني، فقلت له: لا تفعلْ، فنَهَيْتُه أن يقتلهم، لما كنت أعلم من رأي عمر بن عبد العزيز في ذلك أنّه لا يستحل قتل شيء كان على ذلك الحال، فلم يزالوا به حتى قتل أحدهم، ثم أخذ بقلبه بعضُ ما قلت، فكتب بعضهم إلى عمر، فجاءه جوابه جوابًا غليظًا يُقَبِّح له ما صنع، وفي الكتاب: فهلّا إذ تأولتَ هذه الآية ورأيت أنهم أهلها أخذت بأيسر ذلك. قال أبو الزناد: فإنّ رأي الذي ينتهى إلى رأيهم بالمدينة مُدَّعيًا أنه ليس بالمحاربالذي يتلصص ويستخفي من السلطان ويغزو، لكنهم قالوا: إنّ المحارب الذي يفسد نسل المؤمنين، ولا يجيب دعوة السلطان

اختلف السلف في المراد بقوله: ﴿هونا﴾؛ فقيل: علماء حكماء. وقيل: يمشون بوقار وسكينة. وقيل: حلماء. وقيل: يمشون بالطاعة والتواضع. وقد جمع ابنُ جرير (١٧‏/‏٤٨٩) بين هذه الأقوال بقوله: «يقول -تعالى ذِكْرُه-: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾ بالحلم والسكينة والوقار، غير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين فيها بالفساد ومعاصي الله». وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٤٥٤): «وذهبت فرقة إلى أن ﴿هَوْنًا﴾ مرتبط بقوله: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأَرْضِ﴾، أي: المشي هو هون، ويشبه أن يتأول هذا على أن تكون أخلاق ذلك الماشي هَوْنًا مناسبة لمشيه؛ فيرجع القول إلى نحو ما بيّناه. وأما أن يكون المراد صفة المشي وحده فباطل؛ لأنه رب ماش هَوْنًا رويدًا وهو ذئيب أطلس. وقد كان رسول الله ﷺ يتكفأ في مشيه كأنما يمشي في صبَبَ، وهو عليه السلام الصدر في هذه الآية»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦١) إضافة إلى ما ورد في آثار السلف أن الجاريات يسرًا: هي السُّفن؛ قولين آخرين: أحدهما: أنها السحاب بالريح. الثاني: أنها الجواري من الكواكب. ثم علّق على الأقوال الثلاثة قائلًا: «واللفظ يقتضي جميع هذا». ورجّح ابنُ تيمية -مستندًا إلى النظائر، والدلالة العقلية- أنها الجواري من الكواكب، فقال: «الأنسب أن تكون هي الكواكب المذكورة في قوله:﴿فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس﴾ [التكوير:١٥-١٦] فسمّاها جواري كما سمّى الفُلك جواري في قوله: ﴿ومن ءايته الجوار في البحر كالأعلام﴾ [الرحمن:٣٢]، والكواكب فوق السحاب، ثم قال: ﴿فالمقسمات أمرا﴾ وهي الملائكة التي هي أعلى درجة من هذا كله». وقال ابنُ كثير (١٣‏/‏٢٠٨): «أما الجاريات يُسرًا فالمشهور عن الجمهور: أنها السُّفن، تجري ميسرة في الماء جريًا سهلًا». ثم ذكر قول من قال: إنها الجواري من الكواكب. ولم يعلق عليه

زاد ابنُ عطية (٨‏/‏٦٠٤) في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وقيل: المراد: فجر العيون من الصخور وغيرها. وقال عكرمة: المراد: فجر يوم الجمعة». وذكر ابن القيم (٣‏/‏٢٩٦) أنّ قوله تعالى: ﴿والفَجْرِ﴾ «إنْ أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمّن وقت صلاة الصبح، التي هي أول الصلوات، فافتتح القسم بما يتضمّن أول الصلوات، وختمه بقوله: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ المتضمّن لآخر الصلوات: وإنْ أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النَّحر وليلته التي هي ليلة عرفة، فتلك الليلة من أفضل ليالي العام، وما رئي الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها، وذلك الفجر فجر يوم النَّحر الذي هو أفضل الأيام عند الله... وعلى هذا فقد تضمّن القَسم المناسك والصلوات، وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته، ولهذا قال الخليل عليه السلام: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، وقيل لخاتم الرسل ﷺ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، بخلاف حال المشركين المُتكبِّرين الذين لا يعبدون الله وحده، بل يُشركون به، ويستكبرون عن عبادته كحال مَن ذُكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون»

سورة الرعد — الآية ٤

عن الحسن البصري -من طريق أبي بكر بن عبد الله- في الآية، قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله عز وجل لقلوب بني آم، كانت الأرضُ في يد الرحمن طينةً واحدةً، فسطَحها وبطَحها، فصارتِ الأرضُ قِطعًا متجاورةً، فينزِلُ عليها الماءُ من السماء، فتُخْرِج هذه زهرتَها وثمرَها وشجرَها، وتُخرج نباتها، وتُحْيِي موتاها، وتُخْرِج هذه سبَخَها ومِلْحها وخَبثَها، وكلتاهما تُسقى بماءٍ واحد، فلو كان الماءُ مالحًا قيل: إنّما اسْتَسْبَخَتْ هذه مِن قِبَل الماء. كذلك الناسُ خُلِقوا مِن آدم، فينزِلُ عليهم من السماء تذكرةٌ؛ فترِقُّ قلوبٌ فتخشع وتخضع، وتقسو قلوبٌ فتلهو وتسهُو وتجفُو. قال الحسنُ: واللهِ، ما جالس القرآن أحد إلا قام مِن عنده بزيادة أو نقصانٍ؛ قال الله تعالى:﴿وننزلُ من القرآنِ ما هُو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنينَ ولا يزيدُ الظالمينَ إلا خسارًا﴾ [الإسراء:٨٢]

سورة الأعراف — الآية ١٧٢

عن أبي أمامة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «خلق الله الخلْقَ وقضى القَضِيَّة، وأخَذَ ميثاقَ النبيِّين وعرْشُه على الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينِه، وأخَذ أهل الشمال بيده الأُخرى، وكلتا يَدي الرحمن يمين، فقال: يا أصحاب اليمين. فاستجابوا له، فقالوا: لبيك ربَّنا وسعدَيْك. قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. قال: يا أصحاب الشمال. فاستجابوا له، فقالوا: لبيك ربَّنا وسعدَيْك. قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. فخلَط بعضَهم ببعض، فقال قائلٌ منهم: ربِّ، لمَ خلَطتَ بيننا؟ قال: ﴿لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون﴾ [المؤمنون:٦٣]، ‹أن يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ›. ثم ردَّهم في صُلْبِ آدم، فأهلُ الجنة أهلُها، وأهلُ النار أهلُها». فقال قائل: يا رسول الله، فما الأعمال؟ قال: «يعملُ كلُّ قومٍ لمنازلِهم». فقال عمر بن الخطاب: إذن نجتهِد

سورة مريم — الآية ٨٧

عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَن قال في دُبُر كلِّصلاة بعدما سلَّم هؤلاء الكلمات كتبه ملَك في رِقٍّ، فخَتَم بخاتم، ثم دفعها إلَيَّ يوم القيامة، فإذا بعث الله العبدُ مِن قبره جاءه الملَك ومعه الكتاب يُنادي: أين أهلُ العهود؟ حتى تدفع إليهم، والكلمات أن تقول: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأنّك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأنّ محمدًا عبدُك ورسولك، فلا تَكِلْني إلى نفسي، فإنك إن تَكِلْنِي إلى نفسي تُقَرِّبْني مِن الشر، وتباعدني مِن الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل رحمتك لي عهدًا عندك تؤديه إلَيَّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد»، وعن طاووس: أنه أمر بهذه الكلمات، فكُتِبَت في كفنه.

سورة الشعراء — الآية ١٠٠

عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الناس يَمُرُّون يوم القيامة على الصِّراط، والصِّراط دحضٌ مَزَلَّةٌ يَتَكَفَّأُ بأهله، والنار تأخذ منهم، وإن جهنم لتَنطِف عليهم مثل الثلج إذا وقع لها زفيرٌ وشهيقٌ، فبينما هم كذلك إذا جاءهم نداءٌ مِن الرحمن: عبادي، مَن كنتم تعبدون في دار الدنيا؟ فيقولون: ربَّنا، أنت أعلم أنّا إيّاك كنا نعبد. فيجيبهم بصوت لم يسمع الخلائق مثله قط: عبادي، حقٌّ عَلَيَّ ألا أكِلَكم اليومَ إلى أحد غيري، فقد عفوتُ عنكم، ورضيتُ عنكم. فتقوم الملائكة عند ذلك بالشفاعة، فينجون من ذلك المكان، فيقول الذين تحتهم في النار: ﴿فما لنا من شافعين* ولا صديق حميم* فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين﴾. قال الله: ﴿فكبكبوا فيها هم والغاوون﴾، قال ابن عباس: أُدهِروا فيها إلى آخر الدهر