عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: كانت مريمُ حَبيسًا في الكنيسة، ومعها في الكنيسة غلامٌ اسمُه يوسف، وقد كان أمُّه وأبوه جعلاه نَذيرًا حبيسًا، فكانا في الكنيسة جميعًا، وكانتْ مريم إذا نفِدَ ماؤُها وماءُ يوسف أخذا قُلَّتَيْهما فانطلقا إلى المَغارَة التي فيها الماء، فيملَآنِ ثُمَّ يرجعان، والملائكة في ذلك مُقْبِلة على مريم: ﴿يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾. فإذا سمع ذلك زكريا قال: إنّ لابنةِ عمران لَشَأْنًا
قال مقاتل بن سليمان: نزلت في حكيم بن الأشرف، قدِم الطائف، ومات بالمدينة وله أبَوان وأولاد، فأعطى النبيُّ ﷺ الميراثَ الوالِدَين، وأعطى الأولادَ بالمعروف، ولم يُعْطِ امرأتَه شيئًا، غير أنّ النبي ﷺ أمَر بالنفقة عليها في الطعام والكسوة حَوْلًا، فإن كانت المرأةُ مِن أهْل المَدَرِ التَمَسَتِ السُّكْنى فيما بينها وبَيْنَ الحَوْل، وإن كانَتْ مِن أهْل الوَبَرِ نَسَجَتْ ما تسكن فيه إلى الحول، فكان هذا قبل أن تنزل آية المواريث
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿ولأبويه﴾ يعني: أبوي الميت ﴿لكل واحد منهما السدس مما ترك﴾ الميِّتُ ﴿إن كان له ولد﴾ يعني: ذكرًا كان، أوكانتا اثنتين فوق ذلك ولم يكن مَعَهُنَّ ذَكَرٌ، فإن كان الولدُ ابنةً واحدةً فلها نصفُ المال، ثلاثة أسداس، وللأب سدس، ويبقى سُدُسٌ واحدٌ فيُرَدُّ ذلك على الأب؛ لأنه هو العصبة، ﴿فإن لم يكن له ولد﴾ قال: ذكرٌ ولا أنثى ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾، وبقية المال للأب
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾، قال: كانت الوراثة في أهل يثرب بالمدينة هاهنا، فكان الرجل يموت فيَرِثُ ابنُه امرأةَ أبيه، كما يرث أمه، لا يستطيع أن يمنع، فإن أحبَّ أن يتَّخذها اتَّخذها كما كان أبوه يتَّخذها، وإن كره فارقها، وإن كان صغيرًا حُبِسَت عليه حتى يكبر، فإن شاء أصابها، وإن شاء فارقها. فذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قال: كان إذا تُوُفِّي الرجلُ في الجاهلية عمد حميمُ الميِّت إلى امرأته، فألقى عليها ثوبًا، فيَرِثُ نكاحَها، فلمّا تُوُفِّي أبو قيس بن الأسلت عمد ابنه قيسٌ إلى امرأته، فتَزَوَّجها، ولم يدخل بها، فأتت النبي ﷺ، فذكرت ذلك له؛ فأنزل الله في قيس: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ قبل التحريم، حتى ذكر تحريمَ الأمهات والبنات، حتى ذكر: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ قبل التحريم، ﴿إن الله كان غفورا رحيما﴾ فيما مضى قبل التحريم
عن الحسن البصري، قال: لَمّا أُهبط آدم من الجنة ومعه حواء هبط إبليس فرحًا بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبتُ مِن الأبوين ما أصبتُ؛ فالذرية أضعف وأضعف. وكان ذلك ظنًّا من إبليس، فأنزل الله على نبيه: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾. فقال إبليس عند ذلك: لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح؛ أعِدُه وأُمنِّيه وأخدعه. فقال الله: وعِزَّتي، لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبتُه، ولا يسألني إلا أعطيُته، ولا يستغفرني إلا غفرتُ له
قال مقاتل بن سليمان: فذلك قوله: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾، نزلت هذه الآية في عُتبة بن أبي لهب بن عبد المُطّلب، وذلك أنه كان غضب على أبيه، فأتى محمدًا ﷺ، فآمن به، فلما رضي أبوه عنه، وصالحه، وجهّزه، وسرَّحه إلى الشام بالتجارات، قال: بلِّغوا محمدًا عن عُتبة أنه قد كفر بالنّجم. فلما سمع بذلك النبيُّ ﷺ، قال: «اللهم، سلِّط عليه كلبك يأكله». فنزل ليلًا في بعض الطريق، فجاء الأسد، فأكله
عن يعلى بن أُمَيَّة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجِعِرّانة، عليه جُبَّة، وعليها خَلُوق، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: فأُنزل على النبي ﷺ الوحيُ، فتَسَتَّرَ بثَوب. وكان يَعْلى يقولُ: وددت أنِّي أرى النبيَّ ﷺ وقد أُنزِل عليه الوحي. فقال عمرُ: أيَسُرُّك أن تَنظُرَ النبيَّ ﷺ وقد أُنزِل عليه الوحيُ؟ فرفع عمرُ طرفَ الثوب، فنظرتُ إليه له غَطِيطٌ كغطيط البَكْر، فلما سُرِّيَ عنه قال: «أين السائلُ عن العمرة؟ اغسِلْ عنك أثَرَ الخَلُوق، واخلع عنك جُبَّتك، واصنع في عُمْرَتِك ما أنت صانع في حَجِّك»
ذكر ابنُ عطية (٣/٣٦٨) أنّ قوله: ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ قد يحتمل أن المراد الوقتين: الغداة، والعشي، وعليه حمَلَ قول الحسن. أو أن يكون المقصود عدم التقييد، ولكن استمرار الفعل، وإعمار الزمان به، كما تقول: الحمد لله بكرة وأصيلًا. فإنما تريد: الحمد لله في كل وقت. وحمل على هذا القول الذي قاله ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وإبراهيم، والحسن، والضحاك، وقتادة، وعامر، وعبد الرحمن بن أبي عمرة: أنّها الصلوات الخمس. وكذا القول بأنها الدعاء والذكر الذي قاله منصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي من طريق وكيع عن سفيان
عن الوليد بن مسلم، قال: قال الليث: وكذلك ثني موسى بن إسحاق المدني -وهو الآمر عندنا- أنّ عليًّا الأسدي حارب، وأخاف السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبته الأئمة والعامة، فامتنع ولم يُقدَر عليه، حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلًا يقرأ هذه الآية: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر:٥٣] الآية، فوقف عليه، فقال: يا عبد الله، أعِد قراءتها، فأعادها عليه. فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا، حتى قدم المدينة من السَّحَر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله ﷺ، فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه، فلما أسفر عرفه الناس، وقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عَلَيَّ، جئتُ تائبًا من قبل أن تقدروا علي. فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بن الحكم في إمرته على المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا عليٌّ جاء تائبًا، ولا سبيل لكم عليه، ولا قتل. قال: فترك من ذلك كله. قال: وخرج عليٌّ تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في البحر، فلقوا الروم، فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم، فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهزموا منه إلى سفينتهم الأخرى، فمالت بهم وبه، فغرقوا جميعًا