عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضَم، فخرجت في نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة الحارث بن رِبْعِيِّ، ومُحَلِّم بن جَثّامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم مرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قَعُود له، معه مُتَيِّع له ووَطْبٌ من لبن، فلمّا مرَّ بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه، فقتله، وأخذ بعيره ومتاعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ الآية
عن محمد ابن شهاب الزهري، قال: صُرِفت القِبْلة نحو المسجد الحرام في رجب على رأس ستة عشر شهرًا من مخرج رسول الله ﷺ من مكة، وكان رسول الله ﷺ يُقَلِّب وجهه في السماء وهو يُصَلِّي نحو بيت المقدس، فأنزل الله حين وجّهه إلى البيت الحرام: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾ وما بعدها من الآيات. فأنشأت اليهود تقول: قد اشتاق الرجلُ إلى بلده وبيت أبيه وما لهم حتى تركوا قِبْلتهم؛ يُصَلُّون مرة وجهًا ومرة وجهًا آخر؟ وقال رجال من الصحابة: فكيف بمَن مات مِنّا وهو يُصَلّي قِبَل بيت المقدس؟ وفرِح المشركون، وقالوا: إنّ محمدًا قد التَبَس عليه أمرُه، ويُوشِك أن يكون على دينكم. فأنزل الله في ذلك هؤلاء الآيات
عن واصل بن السائب الرقاشي، قال: سألني عطاء بن أبي رباح: أيُّ دابَّةٍ عليك مكتوبة؟ قال: فقلتُ: فرس. قال: تلك الغاية القصوى مِن الأجر. ثُمَّ ذكر أنّ رسول الله ﷺ قال: «ألا أدلُّكم على أحبِّ عباد الله إلى الله بعد النبيين والصديقين والشهداء؟». قال: «عبد مؤمن معتقل رمحَه على فرسه، يميل به النعاسُ يمينًا وشِمالًا في سبيل الله، يستغفر الرحمنَ، ويلعن الشيطانَ». قال: «وتُفتح أبواب السماء، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي. قال: فيستغفرون له». قال: ثم قرأ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب-: في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفالِ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فسلموا لله ولرسوله يحكمان فيها بما شاءا، ويضعانها حيث أرادا، فقالوا: نعم. ثم جاء بعد الأربعين: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، ولكم أربعة أخماس، وقال النبي - ﷺ - يوم خيبر: «وهذا الخمس مردود على فقرائكم». يصنع الله ورسوله في ذلك الخمس ما أحَبّا، ويضعانه حيث أحَبّا، ثم أخبرنا الله بالذي يجب من ذلك، ثم قرأ الآية: ﴿ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧].
عن سعيد بن جبير -من طريق سالم الأفطس- في قوله: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾، قال: هم رُسُلُ النجاشي الذين أرسَل بإسلامِه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلًا، اخْتارهم مِن قومِه، الخَيِّرَ فالخَيِّر، في الفقه والسِّنِّ -وفي لفظ: بعَث مِن خيار أصحابه إلى رسول الله ﷺ ثلاثين رجلًا- فلما أتَوا رسول الله ﷺ دخَلوا عليه، فقرَأ عليهم سورة يس، فبَكَوا حينَ سمِعوا القرآن، وعرَفوا أنه الحقُّ؛ فأنزَل الله فيهم: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾ الآية. ونزَلت هذه الآية فيهم أيضًا: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ [القصص:٥٢-٥٤]
قال مقاتل بن سليمان: ثم اختار من الأديان دين الإسلام، فقال عز وجل: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله﴾ يعني: أخلص دينه لله، ﴿وهو محسن﴾ في عمله. وأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿هذان خصمان﴾ يعني: كفار أهل الكتاب ﴿اختصموا﴾ يعني: ثلاثتهم؛ المسلمين، واليهود، والنصارى ﴿في ربهم﴾ أنهم أولياء الله. ثم أخبر بمستقر الكافر، فقال: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾ [الحج:١٩]، يعني: جعلت لهم ثياب من نار، إلى آخر الآية. ثم أخبر سبحانه بمستقر المؤمنين، فقال: ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار... ﴾ إلى آخر الآية [الحج:٢٣]
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق يونس- في شهادة الوالد لولده وذي القرابة، قال: كان ذلك فيما مضى مِن السُّنَّة في سَلَف المسلمين، وكانوا يتأَوَّلون في ذلك قولَ الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما﴾ الآية، فلم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجل لامرأته، ثم دَخِلَ الناس بعد ذلك، فظهرت منهم أمورٌ حَمَلَتِ الوُلاةَ على اتِّهامهم، فتُرِكَتْ شهادةُ مَن يُتَّهَمَ إذا كانت مِن أقربائهم، وصار ذلك مِن الولد، والوالد، والأخ، والزوج، والمرأة، لم يُتَّهم إلا هؤلاء في آخر الزمان
عن أبي مالك الأشعري، قال: كنتُ عند النبي ﷺ فنزَلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء﴾. قال: فنحنُ نسألُه إذ قال: «إنّ لله عبادًا ليسوا بأنبياءَ ولا شهداء، يغبِطُهم النبيون والشهداءُ بقُربِهم ومَقعدِهم مِن الله يومَ القيامة». فقال أعرابيٌّ: مَن هم، يا رسول الله؟ قال: «هم عبادٌ من عباد الله مِن بُلدانٍ شتّى، وقبائلَ شتّى، مِن شعوبِ القبائل، لم يكن بينَهم أرحامٌ يتواصلون بها، ولا دنيا يتباذَلُون بها، يتحابُّون بروح الله، يجعَلُ الله وجوهَهم نورًا، ويجعلُ لهم منابرَ مِن لُؤلُؤ قُدّامَ الرحمن، يفزَعُ الناسُ ولا يفزَعون، ويخافُ الناسُ ولا يخافون»
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا﴾ الآية، قال: ذُكر لنا: أنّه لما أنزل الله أنّ أهل مكة لا يُقبل منهم إسلام حتى يهاجروا؛ كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة فخرجوا، فأدركهم المشركون فردُّوهم؛ فأنزل الله: ﴿ألم* أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾ [العنكبوت:١-٢]. فكتب بهذا أهل المدينة إلى أهل مكة، فلما جاءهم ذلك تبايعوا على أن يخرجوا، فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فخرجوا، فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، فمنهم من قُتل، ومنهم من نجا؛ فأنزل الله: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا﴾ الآية
قال يحيى بن سلّام: ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ يعني: ألَكُم ﴿مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَواءٌ﴾ يعني: شرعًا سواء، أي: هل يُشارك أحدُكم مملوكَه في زوجته وماله فأنتم فيه سواء ﴿تَخافُونَهُمْ﴾ تخافون لائمتهم ﴿كَخِيفَتِكُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ كخيفة بعضكم بعضًا، أي: أنه ليس أحد منكم هكذا، فأنا أحقٌّ ألّا يشرك بعبادتي غيري، فكيف تعبدون دوني غيري تشركونه في إلهيتي وربوبيتي؟! وهي مثل قوله: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ [النحل: ٧١]، ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ نبيّن الآيات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهم المؤمنون